الشيخ محمد هادي معرفة

61

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير . فمن لم يُحكم ظاهر التفسير ، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه ، ودخل في زمرة من فسّر القرآن بالرأي . والنقل والسماع لا بدّ له منهما في ظاهر التفسير ، أوّلًا ليتّقي بهما مواضع الغلط ، ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط . والغرائب التي لا تُفهم إلّا بالسماع كثيرة ، ولا مَطمَع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ، ألا ترى أنّ قوله تعالى : « وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها » « 1 » معناه : آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها . فالناظر إلى الظاهر يظنّ أنّ الناقة كانت مبصرة ، فهذا في الحذف والإضمار ، وأمثاله في القرآن كثير « 2 » . وهذا الذي ذكره القرطبيّ وشرحه شرحا وافيا ، ومن قبله الإمام الغزالي ، هو الصحيح في معنى الحديث ، وأكثر العلماء عليه ، بل وفي لحن الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما يؤيّد إرادة هذا المعنى ، نظرا للإضافة في « رأيه » ، أي رأيه الخاصّ ، يحاول توجيهه بما يمكن من ظواهر القرآن حتّى ولو استلزم تحريفا في كلامه تعالى . فهذا لا يهمّه القرآن ، إنّما يهمّه تبرير موقفه الخاصّ باتّخاذ هذا الرأي الذي يحاول إثباته بأيّة وسيلة ممكنة . فهذا في الأكثر مُفترٍ على اللّه ، مجادل في آيات اللّه . فقد روى أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه الصدوق بإسناده إلى سعيد بن المسيّب عن عبد الرحمان بن سمرة ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « لُعن المجادلون في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا ، ومن جادل في آيات اللّه فقد كفر ، ومن فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب ، ومن أفتى الناس بغير علم فلعنته ملائكة السماوات والأرض ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار . . . » « 3 » .

--> ( 1 ) - . الإسراء 59 : 17 . ( 2 ) - . راجع : تفسير القرطبيّ ، ج 1 ، ص 32 - 34 . أخذه اقتباسا من كلام الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه إحياء العلوم ، ج 1 ، ص 298 . ( 3 ) - . كمال الدين للصدوق ، ج 1 ، ص 256 - 257 ، باب 24 ، رقم 1 . وعبد الرحمان بن سمرة بن حبيب العبشميّ صحابيّ جليل ، أسلم يوم الفتح وشهد غزوة تبوك مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ شهد فتوح العراق ، وهو الذي افتتح سجستان وغيرها في خلافة عثمان . ثمّ نزل البصرة وكان يحدّث بها . روى عنه خلق كثير من التابعين . تُوفّي سنة 50 ، ( الإصابة ، ج 2 ، ص 401 ، رقم 5134 ) .