الشيخ محمد هادي معرفة

41

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأقرب إلى الأرض ؛ ليسهل التناول منه لجبرائيل عند مسيس الحاجة . « 1 » وعلّل بعض الأساتذة المعاصرين ذلك ، بأنّ الرابط بين ذلك القرآن المحفوظ لديه تعالى ، وهذا القرآن المعروض على الناس ، هو « رابط العلّيّة » فكلّ ما في هذا القرآن من حِكم ومواعظ وآداب ، وتعاليم ومعارف وأحكام ، إنّما تنشأ ممّا حواه ذلك القرآن ، على بساطته وعلوّ رفعته ؛ فهذا إشعاع من ذلك النور الساطع ، وإفاضة من ذلك المقام الرفيع . « 2 » غير أنّ هذا كلّه تكلّف في التأويل ، وتمحّل في القول بلا دليل ، ولعلّنا في غنى عن البسط فيه والتذييل . وأمّا الآيات التي استندوا إليها لإثبات وجود آخَر للقرآن محفوظ عند اللّه ، في كتاب مكنون لا يمسّه إلّا المطهّرون . . . فهي تعني أمرا آخَر غير ما راموه . وليعلم أنّ المقصود من الكتاب المكنون ، هو : علم اللّه المخزون ، المعبَّر عنه ب - « اللوح المحفوظ » أيضا ، وهكذا التعبير ب - « امّ الكتاب » كناية عن علمه تعالى الذاتيّ الأزليّ ، بما يكون مع الأبد . وقد ذكر العلّامة الطباطبائيّ - في تفسير سورة الرعد - حديثا عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « كلّ أمر يريده اللّه ، فهو في علمه قبل أن يضعه ، وليس شيء يبدو له إلّا وقد كان في علمه » ، قال : ذلك تفسيرا لقوله تعالى : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » « 3 » . فقوله تعالى : « وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » « 4 » يعني قضى اللّه في علمه الأزليّ الحتم أنّ القرآن - في مسيرته الخالدة - سوف يشغل مقاما عليّا ، مترفّعا عن أن تناله أيدي السفهاء ، حكيما مستحكما قوائمه ، لا يتضعضع ولا يتزلزل ، يشقّ طريقه إلى الأمام بسلام « 5 » . وكذا قوله : « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » « 6 » أي هكذا قدّر في علمه تعالى

--> ( 1 ) - . التفسير الكبير للفخر الرازيّ ، ج 5 ، ص 85 . ( 2 ) - . راجع : مباني وروشهاي تفسير قرآن لعميد الزنجانيّ ، ص 87 . ( 3 ) - . الميزان ، ج 11 ، ص 420 ، الرعد 39 : 13 . ( 4 ) - . الزخرف 4 : 43 . ( 5 ) - . راجع : مجمع البيان للطبرسيّ ، ج 9 ، ص 39 ؛ التبيان ، ج 9 ، ص 179 ؛ روض الجنان للرازيّ ، ج 10 ، ص 74 ؛ التفسير الكبير ، ج 27 ، ص 194 . ( 6 ) - . البروج 21 : 85 و 22 .