الشيخ محمد هادي معرفة

42

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

المكنون « 1 » . وهكذا ذكر الطبرسيّ وغيره في تفسير قوله تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » « 2 » أنّه إشارة إلى مقامه الرفيع عند اللّه ، وقد جرى في علمه تعالى أنّه محفوظ عن مناوشة المناوئين . قال سيّد قطب : « إنّه لقرآن كريم : كريم بمصدره ، وكريم بذاته ، وكريم باتّجاهاته . في كتاب مكنون : مصون ، وتفسير ذلك في قوله تعالى بعده : لا يمسّه إلّا المطهّرون . فقد زعم المشركون أنّ الشياطين تنزّلت به ، فهذا نفي لهذا الزعم . فالشيطان لا يمسّ هذا الكتاب المكنون في علم اللّه وحفظه ، إنّما تنزّل به الملائكة المطهّرون ؛ ولذلك قال - بعدها - : تنزيل من ربّ العالمين ، أي لا تنزيل من الشّياطين » « 3 » . هل يعلم التأويل غير اللّه ؟ سؤال أثارته ظاهرة الوقف على « إِلَّا اللَّهُ » من قوله تعالى : « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ » ثمّ الاستئناف لقوله : « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » « 4 » . وما ورد في بعض الأحاديث من اختصاص علم التأويل باللّه تعالى ، وأنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله ، وإنّما يكلون علمه إلى اللّه سبحانه ؛ من ذلك ما ورد في خطبة الأشباح من كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : « فانظر أيّها السائل ، فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتَمّ به واستضِئ بنور هدايته ، وما كلّفك الشيطان عِلمَه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضُه ، ولا في سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى أثره ، فَكِلْ عِلمَه إلى اللّه سبحانه . فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك . واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَد المضروبة دون الغيوب ، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب . فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول

--> ( 1 ) - . راجع : تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد ، ص 29 ؛ التفسير الكبير ، ج 23 ، ص 66 وج 28 ، ص 152 . ( 2 ) - . الواقعة 77 : 56 - 79 . ( 3 ) - . في ظلال القرآن لسيّد قطب ، ج 7 ، ص 706 ؛ وراجع : مجمع البيان ، ج 9 ، ص 226 . ( 4 ) - . آل عمران 7 : 3 .