الشيخ محمد هادي معرفة
40
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
سماء الدنيا ، ثمّ نزل نجما فنجما . ولفظ الإنزال أعمّ من التنزيل ، قال : « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ » ولم يقل : لو نزّلنا ، تنبيها إنّا لو خوّلناه مرّة ما خوّلناك مرارا « لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً » . « 1 » ويُرَدُّ عليه ما حكاه اللّه عن قولة العرب : « لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » « 2 » ، وكذلك قوله تعالى : « وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ » « 3 » ، وقوله : « وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ » « 4 » ، وقوله : « وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ . . . » « 5 » ، وقوله : « لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا » « 6 » ، كما جمع بين التعبيرين بشأن أمر واحد في قوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » « 7 » . كما جاء استعمال « الإنزال » بشأن التدريجيّات أيضا : « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ » « 8 » ، « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ » « 9 » ، لأنّ الكتاب الذي منه محكم ومتشابه ، هو هذا الكتاب الذي نزل تدريجيّا . « أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا » « 10 » ؛ إذ الذي نزل مفصّلا هو هذا القرآن الذي نزل منجَّما . * * * وأخيرا فما هي الفائدة المتوخّاة من وراء نزول القرآن دفعة واحدة إلى السماء الدنيا أو إلى السماء الرابعة ، في البيت المعمور أو بيت العزّة - على الاختلاف في ألفاظ الروايات - ، ثمّ نزوله بعد ذلك تدريجيّا في طول عهد الرسالة ؟ وهل لوجود القرآن بوجوده البسيط الروحانيّ - في ذلك المكان الرفيع - فائدة تعود على أهل السماوات أو سكّان الأرضين ؟ وأجاب الفخر الرازيّ عن ذلك ، وعلّل وجود القرآن هناك ، في مكان أنزل من العرش
--> ( 1 ) - . الحشر 21 : 59 . ( 2 ) - . الفرقان 32 : 25 . ( 3 ) - . الأنعام 37 : 6 . ( 4 ) - . محمّد 20 : 47 . ( 5 ) - . الأنعام 7 : 6 . ( 6 ) - . الإسراء 95 : 17 . ( 7 ) - . النحل 44 : 16 . ( 8 ) - . البقرة 22 : 2 . ( 9 ) - . آل عمران 7 : 3 . ( 10 ) . الأنعام 114 : 6 .