الشيخ محمد هادي معرفة

34

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

التأويل الذي لا يعلمه إلّا اللّه تعالى هو ما تؤول إليه تلك الآيات في الواقع ، ككيفيّة صفاته تعالى ، وكيفيّة عالم الغيب ، وكيفيّة قدرته تعالى وتعلّقها بالإيجاد والإعدام ، وكيفيّة استوائه على العرش . ولا كيفيّة عذاب أهل النار ، ولا نعيم أهل الجنّة ، كما قال تعالى : « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » « 1 » فليست نار الآخرة كنار الدنيا ، وإنّما هي شيء آخَر . وليست ثمرات الجنّة ولبنها وعسلها من جنس المعهود لنا في هذا العالَم ، وإنّما هو شيء آخَر يليق بذلك العالَم ويناسبه . قال : وإنّنا نبيّن ذلك بالإطناب الذي يحتمله المقام ، مستمدّين من كلام هذا الحِبْر العظيم ، ناقلين بعض ما كتبه « 2 » . وجعل ينقل ما سرده ابن تيميّة بإسهاب . * * * وهذا الذي ذكره ابن تيميّة وأشاد به رشيد رضا ، لا يعدو ما يعود إليه أمر الشيء ، أخذا بالمفهوم اللغويّ لمادّة « التأويل » . أمّا العين الخارجيّة بالذات فلعلّه من اشتباه المصداق بالمفهوم ، فإنّ الوجود العينيّ للأشياء هي عين تشخّصاتها المعبَّر عنها بالمصاديق الخارجيّة ، ولم يعهد إطلاق لفظ « التأويل » على المصداق في متعارف الاستعمال إلّا أن يكون من عرفهما الخاصّ ، ولا مشاحّة في الاصطلاح . وعلى أيّ تقدير ، فإنّهما لم يأتيا بشيء جديد ، فإنّ مسألة الوجودات الأربعة للأشياء ( الذهنيّ واللفظيّ والكتبيّ والعينيّ ) أمر تعارف عليه أرباب المنطق منذ عهد قديم ، إلّا أنّ الشيء الذي لم يُتعارف عليه هو إطلاق اسم « التأويل » على العين الخارجيّة ، باعتبارها مصداقا للوجودات الثلاثة المنتزعة عنها ، سوى كونه مصطلحا جديدا غير معروف . * * * ولسيّدنا العلّامة الطباطبائيّ كلام تحقيقيّ لطيف حول مسألة « التأويل » ، يراه متغايرا مع المفاهيم ، بعيدا عن جنس الألفاظ والمعاني والتعابير ، وإنّما هي حقائق راهنة ،

--> ( 1 ) - . السجدة 17 : 32 . ( 2 ) - . المنار ، ج 3 ، ص 172 - 196 .