الشيخ محمد هادي معرفة
33
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
المشاهدة هي المذكورة في قوله : « وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ » « 1 » وكذلك أرض عرفات وغيرها . وكذلك الرؤيا يراها الرجل ، ويذكر له العابر تأويلها فيفهمه ويتصوّره ، ثمّ إذا كان ذلك فهو تأويل الرؤيا ، ليس تأويلها نفس علمه وتصوّره وكلامه ؛ ولهذا قال يوسف الصدّيق : « هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ » « 2 » وقال : « لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما » « 3 » فقد أنبأهما بالتأويل قبل أن يأتي التأويل ، فنحن نعلم تأويل ما ذكر اللّه في القرآن من الوعد والوعيد ، وإن كنّا لا نعرف متى يقع هذا التأويل المذكور في قوله تعالى : « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ » « 4 » . * * * وقد أشاد السيّد محمّد رشيد رضا ( منشئ مجلّة المنار المصريّة ) من هذه النظرة التيميّة بشأن تأويل القرآن ، وأعجبته غاية الإعجاب . قال - بعد أن نقل عن شيخه الأستاذ محمّد عبدُه ، أنّ التأويل بمعنى ما يؤول إليه الشيء وينطبق عليه ، لا بمعنى ما يفسَّر به « 5 » - : ليس في كتب التفسير المتداولة ما يروي الغليل في هذه المسألة ، وما ذكرناه آنفا هو صفوة ما قالوه ، وخيرة كلام الأستاذ الإمام . وقد رأينا أن نرجع بعد كتابته إلى كلام في المتشابه والتأويل ، لشيخ الإسلام أحمد بن تيميّة ، فرجعنا إليه وقرأناه بإمعان ، فإذا هو منتهى التحقيق والعرفان ، والبيان الذي ليس وراءه بيان ، أثبت فيه أنّه ليس في القرآن كلام لا يفهم معناه ، وأنّ المتشابه إضافيّ إذا اشتبه فيه الضعيف لا يشتبه فيه الراسخ ، وأنّ
--> ( 1 ) - . آل عمران 97 : 3 . ( 2 ) - . يوسف 100 : 12 . ( 3 ) - . يوسف 37 : 12 . ( 4 ) - . الأعراف 52 : 7 . راجع : رسالته في تفسير سورة الإخلاص ، ص 102 - 103 . ونقله محمّد رشيد رضا في تفسير المنار ، ج 3 ، ص 195 - 196 . ( 5 ) - . يرى الأستاذ عبدُه من متشابهات القرآن ، الأمور الاخرويّة التي ورد ذكرها في القرآن ، لأنّها من ضرورة الدين ومن مقاصد الوحي ؛ حيث العقيدة بأحوال الآخرة من أركان الدين ، فيجب الإيمان بها ، الأمر الذي لا يمكن الوقوف على حقيقتها إلّا بعد مشاهدتها في الآخرة ، فهي تأويلها ذلك اليوم ، كما قال تعالى : « يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ » الأعراف 53 : 7 ( المنار ، ج 3 ، ص 167 ) .