الشيخ محمد هادي معرفة
327
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ولكنّ الأشاعرة - وهم جمهور أهل السنّه - لم يَرُقْهم ذلك بشأن مثل الحسن البصريّ الإمام المعترَف به لدى الجميع ، فجعلوا يتأوّلون كلامه في ذلك أو يحملونه على رأيه القديم ، وقد تاب منه ورجع إلى رأي الجماعة ، كما زعموا . قال أبو عبد اللّه الذهبيّ : وأمّا مسألة « القدر » فصحّ عنه الرجوع عنها ، وأنّها كانت زلقة لسان « 1 » . وروى ابن سعد عن حمّاد بن زيد عن أيّوب ، قال : نازلت الحسن في القدَر غير مرّة ، حتّى خوّفته السلطان ، فقال : لا أعود فيه بعد اليوم . وعن أبي هلال ، قال : سمعت حُمَيدا وأيّوب يتكلّمان ، فسمعت حُمَيدا يقول لأيّوب : لوددتُ أنّه قُسم علينا غُرْم ، وأنّ الحسن لم يتكلّم بالذي تكلّم به ، قال أيّوب : يعني في القدَر ! « 2 » . قال عبد الكريم الشهرستانيّ : ورأيت رسالة نُسبت إلى الحسن البصريّ كتبها إلى عبد الملك بن مروان « 3 » وقد سأله عن القول بالقدَر والجبر ، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدريّة . واستدلّ فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل . قال : ولعلّها لواصل بن عطاء ، فما كان الحسن ممّن يخالف السلف في أنّ القدَر خيره وشرّه من اللّه تعالى . فإنّ هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم . قال : والعجب أنّه حُمل هذا اللفظ ( الخير والشرّ كلّه من اللّه ) الوارد في الخبر ، على البلاء والعافية ، والشدّة والرخاء ، والمرض والشفاء ، والموت والحياة ، إلى غير ذلك من أفعال اللّه تعالى ، دون الخير والشرّ ، والحسن والقبيح ، الصادرين من اكتساب العباد ، وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم « 4 » .
--> ( 1 ) - . ميزان الاعتدال ، ج 1 ، ص 483 ، عند ترجمة سميّه الحسن بن الحسن البغداديّ برقم 1828 . ( 2 ) - . الطبقات ، ج 7 ، ص 122 ، ق 1 . ( 3 ) - . ينسب له القاضي عبد الجبّار رسالة في العدل والتوحيد ، أرسلها إلى عبد الملك بن مروان هامش شرح الأصول الخمسة لعبد الجبّار ، ص 137 . قال المحقّق التستريّ : والرسالة رأيتها في مكتبة الطهرانيّ بكربلاء ، وهي كما قال الشهرستانيّ رسالة حسنة مشتملة على أدلّة متقنة قاموس الرجال ، ج 3 ، ص 137 . ( 4 ) - . الملل والنحل ، ج 1 ، ص 47 .