الشيخ محمد هادي معرفة

230

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ويجعل مستنده هذه المراجعة المفتعَلة قطعا ، إذ كيف يُعقل أن يراجع ، مثله في مثل هذه المعاني ؟ ! * * * وأسخف من الجميع تبرير ما نسب إلى ابن عبّاس من أقاصيص أُسطوريّة جاءت عنه ، بأنّه من جرّاء رجوعه إلى أهل الكتاب في هكذا أمور بعيدة عن صميم الدين . قال الأستاذ أمين : وهذا يعلّل ما في تفسيره من إسرائيليّات . قال ذلك بعد قوله : وكان ابن عبّاس وأبو هريرة أكبر مَنْ نَشَرَ علم كعب الأحبار « 1 » . وقال الدكتور مصطفى الصاويّ : وكثيرا ما ترد عن ابن عبّاس روايات في بدء الخليقة وقصص القرآن ، ممّا لا يمكن أن يكون قد رجع فيها إلّا إلى أهل الكتاب ؛ حيث يرد هذا القصص مفصّلًا ، مثال هذا تفسيره للآية : « قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ » « 2 » قال : لكنّه حين يرجع إليهم مستفسرا ، فإنّما يرجع رجوع العالم الذي يُعير سمعه لما يقال ، ثمّ يعمل فكره وعقله فيما يسمع ، ثمّ ينخله مُبعدا عنه الزيف « 3 » . قلت : إن كانت فيما رُوي عنه في ذلك وأمثاله غرابة أو غضاضة ، فإنّ العتب إنّما يرجع إلى الذي نسبه إلى ابن عبّاس ، ترويجا لأُكذوبته ، ولا لوم على ابن عبّاس في كثرة الوضع عليه . نعم ، ولعلّ هذه الكثرة في الوضع عليه آية على تقدير له وإكبار من الوُضّاع ، لكنّه في نفس الوقت ، رغبة منهم في أن تنفق بضاعتهم ، موسومةً بمن في اسمه الرواج العلميّ . وقد اعترف بذلك الدكتور الصاويّ « 4 » ، فلماذا حكم عليه ذلك الحكم القاسي ؟ ! * * * ويقرب من ذلك بل أقبح ما أسندوه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه سأل غلاما يهوديّا يافعا ( ناهز البلوغ ) عن تربة الجنّة فأجابه على الفور : دَرمَكَةٌ بيضاءُ مِسكٌ خالص . . فصدّقه رسول اللّه . . والدَرمَكُ هو الدقيق الحُواريّ الخالص البياض . .

--> ( 1 ) - . فجر الإسلام ، ص 160 . ( 2 ) - . البقرة 30 : 2 . راجع : تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 158 . ( 3 ) - . مناهج في التفسير ، ص 38 . ( 4 ) - . المصدر نفسه ، ص 41 .