الشيخ محمد هادي معرفة
231
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وهذا الغلام هو ابن صائد ( المزعوم كونه الدجّال ) . . كان لاهيا بين أترابه الصبيان ؛ إذ فاجأه الرسول بهذا السؤال الغريب ، فيما زعموا . . أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما ، ضمن أحاديث الفتن في آخر الزمان « 1 » . . الأمر الذي تنزّهت عنه كتب أحاديث أصحابنا . . فالصحيح : أنّ ابن عبّاس كان في غنى عن مراجعة أهل الكتاب ، وعنده الرصيد الأوفى بالعلوم والمعارف والتاريخ واللغة ، ولا سيّما في مثل تلكم الأساطير السخيفة التي كانت كلّ ما يملكه اليهود من بضاعة مزجاة كاسدة ، بل إنّ موقف ابن عبّاس من أهل الكتاب عموما ، ومن كعب الأحبار خصوصا ، ما يصوّره معتزّا بدينه كريما على نفسه وثقافته . يُروى أنّ رجلًا أتى ابن عبّاس يبلّغه زعم كعب الأحبار : أنّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيُقذفان في النار ! فغضب ابن عبّاس وقال : كذب كعب الأحبار ، كذب كعب الأحبار ، كذب كعب الأحبار ، بل هذه يهوديّة يريد إدخالها في الإسلام « 2 » . يقال : لمّا بلغ ذلك كعبا ، اعتذر له بعدُ وتعلّل « 3 » . وربّما كان كعب يجالس ابن عبّاس يحاول مراودته العلم فيما زعم ، فكان ابن عبّاس يجابهه بما يحطّ من قيمته . روي أنّه ذكر الظلم في مجلس ابن عبّاس ، فقال كعب : إنّي لا أجد في كتاب اللّه المنزل ( يريد التوراة ) « 4 » أنّ الظلم يخرّب الديار ، فقال ابن عبّاس : أنا أوجدكه في القرآن ، قال اللّه عزّ وجلّ : « فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا » « 5 » . هذه حقيقة موقف ابن عبّاس من اليهود كما ترى ، وهو إذ كان يدعو إلى تجنّب الرجوع إلى أهل الكتاب ، لما يدخل بسبب ذلك من فساد على العقول وتشويه على
--> ( 1 ) - . مسند أحمد ، ج 3 ، ص 43 ؛ صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 191 . ( 2 ) - . مناهج في التفسير ، ص 38 و 39 العرائس للثعالبيّ ، ص 18 . ( 3 ) - . المصدر نفسه ، ص 24 . ( 4 ) - . حسب التصريح به في الرواية : كتاب اللّه المنزل ، يعني التوراة راجع : عيون الأخبار لابن قتيبة ، ج 1 ، ص 146 ، س 13 . ( 5 ) - . مناهج في التفسير ، ص 39 نفس المصدر ، ج 1 ، ص 76 ؛ النمل ( 27 ) : 52 .