الشيخ محمد هادي معرفة

229

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لا شكّ أنّها مغالاة من ابنته . يقول جولد تسيهر : ولا يتّضح حقّا من هذا الخبر الغامض ، الذي زادته مغالاةُ ابنته غموضا ، أيّ نسخة من التوراة كان يستخدمها في دراسته « 1 » . لأنّ التوراة المعهودة اليوم وهي تشتمل على ( 39 ) كتابا تكون في حجم كبير ، ثمّ هي قصّة حياة إسرائيل طول عشرة قرون ، وفيها تاريخ حياة أنبياء بني إسرائيل وملوكهم ورحلاتهم وحروبهم طول التاريخ ، وهي بكتب التاريخ أشبه منها بكتب الوحي . فهل كان يقرأ ذلك كلّه في ستّة أيّام ؟ وما هي الفائدة في ذلك التكرار ؟ ! على أنّ راوي الخبر - وهو موسى بن سالم أبو جهضم - لم يلقَ ابن عبّاس ولا أدركه ؛ لأنّه مولى آل العبّاس ، وليس مولى لابن عبّاس . ففي نسخة الطبريّ المطبوعة خطأٌ قطعا . قال ابن حجر : موسى بن سالم أبو جهضم مولى آل العبّاس ، أرسل عن ابن عبّاس . وهو من رواة الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام « 2 » . وفي الخلاصة : موسى بن سالم مولى العبّاسيّين أبو جهضم عن أبي جعفر الباقر ، وعنه الحمّادان « 3 » . والإمام الباقر تُوفّي سنة ( 114 ه . ) . وأخيرا ، فإنّ الموارد التي ذكروا مراجعة ابن عبّاس فيها لأهل الكتاب لا تعدو معاني لغويّة بحتة ، لا تمسّ قضايا سالفة عن أمم خلت كما زعموا ، ولا سيّما السؤال عن « البرق » ، وهو لفظ عربيّ خالص ، لا موجب للرجوع فيه إلى رجال أجانب عن اللغة . كيف يا تُرى يرجع مثل ابن عبّاس - وهو عربيّ صميم وعارف بمواضع لغته أكثر من غيره - إلى اليهود الأجانب ؟ ! وهل يخفى على مثله ما للفظ البرق من مفهوم ؟ ثمّ كيف اقتنع بتفسيره بالماء ؟ اللّهمّ إن هذا إلّا اختلاق ! الأمر الذي يقضي بالعجب ، كيف يحكم هذا العلّامة المستشرق حكمه الباتّ ، بأنّ كثيرا مّا ذُكر أنّه كان يرجع - كتابهً - في تفسير معاني الألفاظ إلى من يُدعى أبا الجلد ؟ ! « 4 »

--> ( 1 ) - . مذاهب التفسير الإسلاميّ ، ص 86 . ( 2 ) - . تهذيب التهذيب ، ج 10 ، ص 344 . ( 3 ) - . خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجيّ ، ص 390 . ( 4 ) - . مذاهب التفسير الإسلاميّ ، ص 85 .