الشيخ محمد هادي معرفة

212

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فقال له بعضهم : ما رأيت أذكى منك قطّ ! فقال : ولكنّي ما رأيت قطّ أذكى من عليّ بن أبي طالب عليه السلام . وكان ابن عبّاس يقول : ما سمعت شيئا قطّ إلّا رويتُه . ثمّ أقبل على ابن أبي ربيعة ، فقال : أنشد ، فأنشده : تشطُّ غدا دارُ جيراننا . . . وسكت . فقال ابن عبّاس : وللدارُ بعد غدٍ أبعدُ . فقال له عمر : كذلك قلت - أصلحك اللّه - أفسمعته ؟ قال : لا ، ولكن كذلك ينبغي ! ! « 1 » وهذا غاية في الفطنة والذكاء ، مضافا إليه الذوقُ الأدبيّ الرفيع . وهو الذي كان يحفظ خُطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الرنّانة فور استماعها ، فكان راوية الإمام في خُطبه وسائر مقالاته . * * * وكان ذوقه الأدبيّ الرفيع وثقافته اللغويّة العالية ، هو الذي حدا به إلى استخدام هذه الأداة ببراعة ، حينما يفسّر القرآن ويشرح من غريب لفظه . كان يقول : الشعر ديوان العرب ، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن ، الذي أنزله اللّه بلغة العرب ، رجعنا إلى ديوانها ، فالتمسنا معرفة ذلك منه . وأخرج ابن الأنباريّ من طريق عكرمة عن ابن عبّاس ، قال : إذا سألتموني عن غريب القرآن ، فالتمسوه في الشعر ، فإنّ الشعر ديوان العرب « 2 » . وأخرج الطبريّ من طريق سعيد بن جبير - في تفسير قوله تعالى : « وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » « 3 » - عن ابن عبّاس ، وقد سئل عن الحرج ، قال : إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر ، فإنّ الشعر عربيّ . ثمّ دعا أعرابيّا فقال : ما الحرج ؟ قال : الضيق . قال ابن

--> ( 1 ) - . الأغاني لأبي الفرج الأصبهانيّ ، ج 1 ، ص 81 - 83 . ( 2 ) - . الإتقان ، ج 2 ، ص 55 . ( 3 ) - . الحجّ 78 : 22 .