الشيخ محمد هادي معرفة

85

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يقول في مفتتح كتابه : فلا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافا عَقَديّا على أنّه نصّ منزل أو موحى به ، يقدم نصّه في أقدم عصور تداوله ، مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات ، كما نجد في نصّ القرآن . « 1 » ولم يدر المسكين أنّ مسألة اختلاف القراءات لا تمسّ مسألة تواتر نصّ القرآن الموحّد المحتفظ به لدى جمهور المسلمين يتوارثونه جيلًا عن جيل ، من غير اختلاف . وقد أسبقنا - في مبحث القراءات - اتّفاق كلمة الأئمّة على أنّ القرآن شيء والقراءات شيء آخر ، لا يمسّ أحدهما الآخر . الأمر الذي ليس ينبغي لأهل التحقيق الذهول عنه ، ولعلّه تجاهل خبيث ! ثمّ نراه يعرّج على مسألة أخرى ذات خطورة بالغة في حياة المسلمين ، هي : مسألة التحريف . ولعلّه من وراء ذلك يحاول الغضّ من شأن هذا الكتاب العزيز من جانب آخر . إنّه يحاول إثبات القول به ناسبا له إلى أعظم طائفة عريقة في الإسلام ، ذات قِدَم وقَدَم في تشييد أركانه ونشر أحكامه ، ولا سيّما العمل في خدمة القرآن وتفسيره وتبيينه ، هم شيعة آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله والسائرون في ضوء تعاليمهم . فإذ كان أمكنه إثبات القول منهم - وهم أمسّ الناس بالقرآن والإسلام - فقد ساعده الحظّ في رمي هذا الكتاب بالوهن والحطّ من شأنه . هكذا حسب حسابه ، ولكن خاب ظنّه ، « أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ » . « 2 » يقول في افتراءاته المصطنعة : إنّه وإن كان الشيعة قد رفضوا الرأي الذي ذهبت إليه طائفة متطرّفة منهم من أنّ القرآن المأثور لا يمكن الاعتراف به مصدرا للدين « 3 » فإنّهم قد تشكّكوا على وجه العموم منذ ظهورهم ، في صحّة صياغة النصّ العثماني ، لأنّه يشتمل

--> ( 1 ) - مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 4 . ( 2 ) - الطور 42 : 52 . ( 3 ) - لعلّه يقصد ما نسب إلى الأخبارية المتأخّرة من القول بعدم حجّية ظواهر الكتاب وعدم إمكان الاستناد إليها لفهم أحكام الشريعة . ولكنّا أوعزنا - في مباحثنا عن التفسير والمفسرين - أنّ هذه النسبة مفتعلة ، وليس من فقهاء الامّة من يذهب إلى هذا الرأي الغريب إطلاقا ، لا في حشوية العامّة ولا في الأخبارية المتطرّفة ، على حدّ تعبيرهم .