الشيخ محمد هادي معرفة

19

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

عن موضعها الأصل الذي كان حقيقا بالاستقرار فيه . قال الزمخشري : فالمعنى أنّه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها . فحين حرّفوه تركوه كالغريب الذي لاموضع له ، بعد مواضعه ومقارّه . « 1 » وهكذا جاء عن الإمام الباقر عليه السلام : « وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه . والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية . . . » . « 2 » أي إنّهم احتفظوا على الألفاظ والعبارات ، لكن مع سوء التأويل في معاني الآيات ، فكان ذلك نبذا لكتاب اللّه ، حيث ترك العمل بمداليله الذاتية . وفي رواية أخرى عنه عليه السلام : « ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده وأقامه إقامة القَدَح . فلا كثّر اللّه هؤلاء من حملة القرآن . . . » . « 3 » والقَدَح - بفتحتين - إناء واسع الفم يستصحبه المسافر ، فإذا ما أكل فيه أو شرب جعله في آخر رحله أو علّقه على ظهره . وفي الحديث : « لاتجعلوني كقدح الراكب » أي لا تأخّروني في الذكر ، كناية عن عدم الاهتمام بالشيء فإذا ما قضى حاجته منه تركه خلف ظهره . فقوله : أقامه مقام القدح ، كناية عن عدم الاهتمام بالقرآن فلا يتصدّر حياة الرجل وإنّما يحلّ محلّ الفضول في أخريات مزاولات الحياة ، فإذا ما فرغ من أوّليّات عيشته ولم يجد ما يلهي نفسه به ، أخذ من القرآن ما يتفنّن به في حياته اليومية أخذا بالعرض وليس مقصودا بالذات . التحريف اصطلاحا وأمّا في الاصطلاح فجاء على سبعة وجوه : أ - تحريف بمدلول الكلام : وهو تفسيره على غير وجهه ، بمعنى تأويله وتحوير

--> ( 1 ) - الكشّاف ، ج 1 ، ص 517 ، والقمن يعني الجدير . ( 2 ) - الكافي ، ج 8 ، ص 53 ، رقم 16 . ( 3 ) - الشافي - تلخيص الوافي - للفيض الكاشاني ، ج 2 ، ص 24 .