الشيخ محمد هادي معرفة

63

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

« وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ » « 1 » دلّت الآية على أنّه لم يبق بعد الطوفان سوى نوح وبنيه وذراريه . وحتّى الذين ركبوا معه في الفُلك ممّن آمن به ونجوا من الغَرَق هلكوا وانقرضوا بلاعقب . هكذا جاءت في الروايات الإسلاميّة عن ابن عباس وقتادة . قال الكلبي : لمّا خرج نوح من السفينة مات مَن كان معه من الرجال والنساء إلّا ولده ونساءهم . « 2 » ومن ثمّ كان نوح عليه السلام هو الأب الثاني لكافّة البشر بعد آدم عليه السلام . لكنّه يتنافى وقوله تعالى خطابا لبني إسرائيل : « ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ » . « 3 » والموصول عامّ يشمل مَن ركب مع نوح من المؤمنين ، ولايخصّ ولد صلبه - كما قيل - إذ لاشاهد عليه في ظاهر تعبير القرآن العامّ . والقول بتشعّب البشر من ولد نوح الثلاثة ( سام ، حام ، يافث ) رواية إسرائيلية بحتة ذكرتها التوراة : « ومن هؤلاء تشعّب كلُّ الأرض » . « 4 » غير أنّها ذكرت أيضا أنّ الذين ركبوا مع نوح هم بنوه وأزواجهم فحسب « 5 » ليكون غيرهم لم يؤمنوا به إطلاقا ممّا يبدو غريبا جدّا أو كانوا آمنوا ولكنّهم بقوا ليكونوا مع المغرقين ، وهذا أبعد وأغرب ! فالصحيح ما ذكره القرآن : « قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » . « 6 » فقد ركب معه من المؤمنين جماعة وإن كانوا في قلّة بالنسبة إلى قومه الأكثرين . وقد ذكر المفسّرون أنّهم كانوا ثمانين نفسا . « 7 » فلابدّ أنّ هؤلاء الذين ركبوا معه ونجوا كانوا معه وهبطوا جميعا بسلام « قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » . « 8 »

--> ( 1 ) - الصافّات 77 : 37 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 7 ، ص 447 . ( 3 ) - الإسراء 3 : 17 . ( 4 ) - سفر التكوين ، الأصحاح 9 / 18 . ( 5 ) - المصدر : 7 / 8 . ( 6 ) - هود 40 : 11 . ( 7 ) - مجمع البيان ، ج 5 ، ص 164 . ( 8 ) - هود 48 : 11 .