الشيخ محمد هادي معرفة

64

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والتعبير بالأمم ممّن معه يعطي تناسل الأمم منهم ، منهم المؤمنون كآبائهم ومنهم الفاسقون ، وهذا أيضا مطلقٌ شامل لكلّ من ركب معه وهبط إلى الأرض بسلام . فالخطاب - مع بنيإسرائيل - بأنّهم ذرّية من حملنا مع نوح ( يعني الذين آمنوا به ) يشمل الجميع . ثمّ لو كان المراد ذرّية ولد نوح الذين ركبوا معه لكان التعبير بذرّية نوحٍ أولى ، من غير ضرورة تدعو إلى هذا الالتواء في التعبير الموهم ! ! والوجه فيما ذكره الكلبي وغيره أنّه تأثُّرٌ برواياتٍ إسرائيليّة وينبو عنه ظاهر تعبير القرآن . بقي قوله تعالى : « وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ » « 1 » يظهر منه أنّ البشرية أصبحت جميعا من ذرّية نوح ولم يُعقّب الآخرون . لكن في رواية أبي الجارود عن الإمام محمّد بن‌علي الباقر عليه السلام في قوله تعالى : « وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ » قال : الباقون بالحقّ والنبوّة والكتاب والإيمان في عقبه . قال : وليس كلّ مَن في الأرض من بني آدم ، من ولد نوح . واستشهد عليه السلام بالآية من سورة هود : « ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ » . « 2 » وهو تأويلٌ وجيه يدعمه قوله تعالى : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ » . « 3 » وهذا هو معنى البقاء « وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ » . « 4 » يعني إبراهيم عليه السلام وقال تعالى : « فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ . . . » . « 5 » فالبقيّة الباقية في مصطلح القرآن هم الذين ورثوا الكتاب والنبوّة والإيمان ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . هذا هو البقاء وفي غيره الفناء ، الأمر الذي تحقّق في ذرّية نوح وإبراهيم عليهم االسلام .

--> ( 1 ) - الصافّات 77 : 37 . ( 2 ) - تفسير القمي ، ج 2 ، ص 223 . ( 3 ) - الحديد 26 : 57 . ( 4 ) - الزخرف 28 : 43 . ( 5 ) - هود 116 : 11