الشيخ محمد هادي معرفة

577

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

القرن العشرين ودرسا أساليب النقد التاريخي الصحيح ، وعرفا من الإسكندر المقدوني ذلك الطاغية الذي عاش حياته القصيرة في الترف والزهو وقد أبطرته النعمة وأطغته العظمة ، فعَلا في الأرض واستكبر وأفسد فيها وأهلك الحرث والنسل وحاول إبادة الحضارات والثقافات وأصول الديانات وأحرق المكتبات ، وانهمك على اللذّات واللهو العارم ، فأنشأ لنفسه سرايا على نسق ملوك الشرق المبطرين ، وأحاط نفسه بالندمان وأهل الخلاعة ، وتغلغل في متاهات الغلوّ ، حتّى ادّعى أنّه هو وحده يرجع إليه الفضل في تلك الفتوحات . ثمّ تنمّر حتى ادّعى أنّه ابن الإله « جوبة » ودعا إلى عبادته . « 1 » تسع آيات إلى فرعون وقومه « 2 » وهناك من أصحاب الفكر الإسلامي الحديث - حسب مصطلحهم - من يستنكر على القائل بأنّ تلك الآيات حوادث واقعة ، ويراها قصصا شعبيّة تسلّمها الخصوم فاستغلّها القرآن جَدَلًا بالتي هي أحسن ! يقول الأستاذ خليل عبد الكريم - ردّا على الأستاذ محمد أحمد خلف اللّه ، مذهبه في إضفاء الصفة التاريخيّة على هذه الأحداث - : أمّا الأوعر من ذلك فإنّه ( الأستاذ خلف اللّه ) يعتبر حكاية موسى وفرعون ، وخروج بني إسرائيل من مصر ، وضرب ملأ فرعون بالجراد والقمّل والضفادع والدّم ، وتحدّي موسى للسحرة ، وانقلاب العصى إلى حيّة أو ثعبان أو جانّ . . . نقول : إنّه يعتبر كلّ هذه الحكايا تاريخا ، مع أنّه لا يوجد في العالم بلدٌ أحرص على تدوين تاريخه كتابةً كمصر ، وليس في التاريخ المصري شيء من هذا ، ومع ذلك فقد عدّها المؤلّف قَصَصا تاريخيّا . . . « 3 »

--> ( 1 ) - راجع : البحر الزاخر ، في تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر لمحمود فهمي المهندس ، ج 2 ، ص 136 - 137 و 150 - 151 . محمد خير رمضان ، ص 146 - 147 . ( 2 ) - النمل 12 : 27 . الإسراء 101 : 17 : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ، فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً » . راجع : قصص الأنبياء للُاستاذ النجّار ، ص 197 - 198 . ( 3 ) - الفنّ القصصي في القرآن الكريم ، مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم ، ص 415 - 416 .