الشيخ محمد هادي معرفة

570

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

التحضّر بشعبها العريق ، من فجر التاريخ ، منذ ( 4000 ) أربعة آلاف سنة ! ولم يقتصر اهتمام الإمبراطور « تشن شيه هوانج » على حماية بلاده من قبائل المغول الهمج في صحراء منغوليا ( جوبي ) وتوفير الأمن للبلاد . بل تعدّاها إلى سنّ قوانين وتشريعات جديدة لتوحيد نظم الحكم والقضاء على الإقطاع . وبذلك تبيّن أنّ هذا السور العظيم ، ليس بذلك السدّ المنيع الذي بناه ذو القرنين ، حسبما جاء في القرآن . إذ هذا مبنيّ من الحجر والطوب والصاروج ، وذاك مبنيّ من زبر الحديد المفرغ عليها صهير النحاس . « 1 » ويقول « وِل ديورانت » في وصفه عن هذا السور العظيم : « إنّ « شيى هونج - دي » لمّا بلغ الخامسة والعشرين بدأ يفتح البلاد ويضمّ الدويلات التي كانت الصين منقسمة إليها من زمن بعيد ، فاستولى على دولة « هان » فيعام ( 230 ) ق . م ، وعلى « چو » في عام ( 228 ) وعلى « ويه » في عام ( 225 ) ، وعلى « تشو » في عام ( 223 ) ، وعلى « ين » في عام ( 222 ) . واستولى أخيرا على دولة « تشي » المهمّة في عام ( 221 ) ، وبهذا خضعت الصين لحكم رجل واحد ، لأوّل مرّة ، منذ قرون طوال ، أو لعلّ ذلك كان لأوّل مرّة في التاريخ كلّه . ولقّب الفاتح نفسَه باسم « شي هونج - دي » ، ثمّ وجّه همّه إلى وضع دستور ثابت دائم لإمبراطوريّته الجديدة . وكان الرجل قويّ الشكيمة ، عنيدا لا يحول عن رأيه ، وكان عقد العزم على أن يوحّد بلاده بالدم والحديد . ولمّا أن وحّد بلاد الصين وجلس على عرشها ، كان أوّل عمل قام به أن حمى بلاده من الهمج البرابرة المجاورين لحدودها الشماليّة ، وذلك بأن أتمّ الأسوار التي كانت مقامة من قبلُ عند حدودها ، ووصلها كلّها بعضا ببعض . وقد وجد في أعدائه المقيمين في داخل البلاد موردا سهلًا يستمدّ منه حاجته من العُمّال لتشييد هذا البناء العظيم الذي يُعدّ رمزا لمجد الصين ودليلًا على عظيم صبرها . وهو أضخم بناء أقامه الإنسان في جميع عصور

--> ( 1 ) - راجع : مفاهيم جغرافية ، ص 128 - 130 ؛ وذوالقرنين لمحمد خير رمضان ، ص 349 - 351 .