الشيخ محمد هادي معرفة
486
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فلمّا أن طغى عصيانهم وجاوزوا الحدّ أخذهم العذاب ودُمّروا تدميرا ، سنّة اللّه جرت في الخلق ، وقد أكّد عليه القرآن ، وليس عن صدفة كما زعمه أصحاب الفكر الإسلامي الحديث ! قال تعالى : « فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ » . « 1 » ذكر ذلك تعالى بعد أنّ قصّ حديث قوم نوح وعاد وثمود . وقوم إبراهيم وقوم لوط ، وأصحاب مدين وفرعون وموسى « فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ . ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ » . « 2 » وتلك خرائب قرى لوط ( بأرض فلسطين - على ضفاف البحر الميّت ) لم تزل مشهودة للعرب المعاصر لنزول القرآن في رحلاتهم إلى الشام صباحا ومساءً « وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ » . « 3 » يرون ديارهم التي عفت وأضحت خرابا يبابا ! ألا فليعتبروا ويحذروا أن يصيبهم مثل ما أصابهم ، إن تمادوا في الغيّ والضلال البعيد ! أصحاب الكهف والرقيم ! قصّة أصحاب الكهف ، تَعرض نموذجا للإيمان في النفوس المؤمنة . كيف تطمئنّ به ، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها ، وتلجأ به إلى الكهف حين يعزّ عليها أن تعيش به مع الناس . وكيف يرعى اللّه هذه النفوس المؤمنة ، ويقيها الفتنة ، ويشملها بالرحمة . وفي القصّة روايات شتّى وأقاويل كثيرة . فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتّى . ولكن يجب الوقوف فيها عند حدّ ما جاء في القرآن ، فهو المصدر الوحيد المستيقن . ولتطرح سائر الروايات والأساطير التي اندسّت في التفاسير بلا سند . وبخاصّة أنّ القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء أحد فيهم ، وعن المراء والجدل رجما بالغيب « فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً » . « 4 » والكهف : المغارة الواسعة . والرقيم ، قيل : إنّه معرّب « أركه / Arke » اليونانيّة أحد
--> ( 1 ) - الحج 45 : 22 . ( 2 ) - الحج 44 : 22 . ( 3 ) - الصافات 137 : 37 - 138 . ( 4 ) - الكهف 22 : 18 .