الشيخ محمد هادي معرفة
479
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
له إلى الطريق الذي يؤدّي إلى القبول ، وتعريض لطيف به لا يصرّح بما يخدشه أو يستثيره . ثمّ يمضي الأخ المؤمن التقيّ الوديع المسالم ليكسر من شره الشرّ الهائج في نفس أخيه الشرير : « لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ » . وهكذا يرتسم نموذج من الوداعة والسلام والتقوى ، في أشدّ المواقف استجاشة للضمير الإنساني وحماسة للمعتَدى عليه ضدّ المعتدي ، وإعجابا بهدوئه واطمئنانه أمام نذر الاعتداء ، وتقوى قلبه وخوفه من ربّ العالمين . . . « 1 » . . . إلى آخر القصّة وهي حكاية عن تقابل نموذجين من الطباع البشري منذ البدء ولا يزال ، هما في تناحر وتنازع ، غير أنّ طابع الشرّ يؤول لا محالة إلى الندم والخسران في نهاية المطاف . ولا عجب إذ كان الطابعان قد تمثّلا في ابني آدم يومذاك ، كما هو جار في ذراريهما عبر العصور ، والعاقبة للمتّقين . حديث الطوفان والسفينة أمّا حديث الطوفان والسفينة - الذي زعمه الأستاذ خليل أنّه حديث أساطير - فلعلّه نظر إلى ما أورده المفسّرون من خرافات إسرائيلية ، شوّهوا بها وجه القرآن الوضيء ، وقد تكلّمنا عن الطوفان وأنّه حادث محلّي عمّ السهل الذي كان يعيشه قوم نوح ، وليس كما فرضته التوراة من شمول وجه الأرض كلّها . . . وعلى ما قرّرنا وشهدت له دلائل من القرآن ودعمه التاريخ ، لم يكن أمثال هذا الحادث غريبا عن طبيعة المناخ ، ولا سيّما في السهول المحاطة بمرتفعات تهطل منها السيول الهائلة بين حين وآخر ، ومنها حادث طوفان نوح وقد تكلّمنا عن ذلك بتفصيل فراجع .
--> ( 1 ) - ملتقط من صفحات 704 - 707 في ظلال القرآن ، المجلّد الثاني .