الشيخ محمد هادي معرفة

460

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لكنّها لو لوحظت مع إحدى قصص لوط في القرآن كقصّته في سورة هود ( الآيات : 78 - 83 ) تختلف عنها في ترتيب سرد أحداثها ، فتبتدئ بمجيء الملائكة ، ثمّ حاله واضطرابه النفسي ، ثمّ مجيء القوم ، ثمّ موقفه وعرض بناته حتّى لايخزى ، ثمّ ردّهم عليه وعزمهم على إتمام عزمهم ، ثمّ موقف الملائكة وإخبارهم إيّاه بأنّهم رسل ربّه ، وإخبارهم بمجيء العذاب وموعده ، ثمّ نوع العذاب . فهنا نلحظ أنّ المحاورة بينه وبين قومه تتمّ قبل أن تخبره الملائكة بأنّهم رسل ربّه . والقصّة تجري بعد ذلك وقد رتّبت وقائعها الترتيب الذي يشعر بأنّ الزمن هو المحور الذي يربط هذه الوقائع المختارة أو هذه الأحداث المصوّرة . أمّا في سورة الحجر فالملائكة تعلّمه كلّ شيء قبل مجيء قومه ، ومع ذلك تمضي المحاورة مع قومه وكأنّه لم يعلم بأنّ أضيافه من الملائكة . وليس يخفى أنّ هذا بعيد عن الوقائع ، ومشاكلته قريب من القَصَص وما فيه من حرّيّة تؤذن للقاصّ بأن يرتّب أحداثه الترتيب الذي يصل إلى الغرض ويؤدّي إلى الأهداف . ولعلّ السبب في هذا الاختلاف : القصد من قصّة لوط في سورة هود هو تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وآله ومن أجل ذلك عنى القرآن أوّلًا بما ينال لوطا من أذى وقلق نفسي ، كما نال محمّدا صلى الله عليه وآله وهو باخع نفسه على أن لا يكونوا مؤمنين وضائق به صدره الكريم . أمّا القصد من القصّة في سورة الحجر فقد كان بيان ما ينزل بالمكذّبين من عذاب ومن ثمّ بدأ به قبل كلّ شيء . 4 - إسناده بعض الأحداث لُاناس بأعيانهم في موطن ، ثمّ إسناده الأحداث نفسها لغير الأشخاص في موطن آخر . ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف : « قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ » « 1 » إذ نراه في سورة الشعراء مقولًا على لسان فرعون نفسه : « قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ » . « 2 » ويبدو أنّ هذا كلام تذاكره فرعون مع بطانته من رجال الدولة ، فصحّ إسناده إليه تارة

--> ( 1 ) - الأعراف 109 : 7 . ( 2 ) - الشعراء 34 : 26 .