الشيخ محمد هادي معرفة

453

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

مسلمون . ولمّا كان هذا غرضا أساسيّا في الدعوة وفي بناء التصوّر الإسلامي فقد تكرّر مجيء هذه القصص على هذا النمط ، مع اختلاف في التعبير ، لتثبيت هذه الحقيقة وتوكيدها في النفوس . وربّما وردت قصص عدّة من الأنبياء مجتمعة في سورة واحدة ، معروضة بطريقة بديعة لتؤيّد هذه الحقيقة . خذ مثلًا سورة الأنبياء ، يتابع قصص موسى وهارون وإبراهيم ولوط ونوح وداوود وسليمان وأيّوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون ومريم . ويعقّب كلًاّ بذكر جميل ، وفي النهاية يقول : « إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ » « 1 » . . . وهذه هو الغرض الأصيل من هذا الاستعراض الطويل ، وغيره من الأغراض الأخرى يأتي عَرَضا وفي ثناياه ! وجاء في سورة النحل : « وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » . « 2 » وفي سورة المائدة : « إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ » . « 3 » وفي سورة البيّنة : « وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ » . « 4 » وهذا الغرض يهدف في حقيقته إلى بيان إبراز الصلة الوثيقة بين الشريعة الإسلاميّة وسائر الشرائع الإلهيّة التي دعا إليها الرسل والأنبياء جميعا ، وإنّ الإسلام يمثّل امتدادا لها ، ولكنّها يحتلّ منها مركز الخاتمة التي يجب على البشريّة جمعاء الرضوخ إليها : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . . . » . « 5 » وبذلك يسدّ الطريق على أهل الزيغ الذين يلتهجون بمساقاة الأديان الغابرة والحاضرة وأنّ اتّباع

--> ( 1 ) - الأنبياء 48 : 21 - 92 . ( 2 ) - النحل 36 : 16 . ( 3 ) - المائدة 44 : 5 . ( 4 ) - البيّنة 5 : 98 . ( 5 ) - المائدة 48 : 5 .