الشيخ محمد هادي معرفة

454

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أحدها يكفي للرشد واحتضان معالم الهداية والنجاة في الآخرة ، على أساس أنّها حقيقة واحدة موحاة من قبل اللّه تعالى وأنّ الإسلام يصدّقها كذلك ! والقرآن يرفض هذه الفكرة المفرّقة رفضا ويؤكّد على أنّ الحقيقة تركّزت في طريق تكاملها في شريعة الإسلام ، وقد صرّح القرآن بذلك في قوله تعالى : « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي » ، « 1 » أي لا محيد - في بلوغ سعادة الحياة - عن متابعة شريعة الإسلام بالذات ! 3 - وأيضا من تمام هذا الغرض بيان أنّ الدعوة الرساليّة في الإسلام ليست بدعا في تاريخ الرسالات ، وإنّما هي وطيدة الصلة بها في الأهداف والتصورّات والمفاهيم : « قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . . . » . « 2 » بل إنّها تمثّل امتدادا لهذه الرسالات ، وتلك الرسالات تمثّل الجذر التاريخي للرسالة الإسلاميّة ، فهي رسالة إلهيّة لها هذا الامتداد في التاريخ الإنساني ، ولها هذا القدر من الأنصار والمضحّين والمؤمنين . 4 - وهكذا يؤكّد على أنّ وسائل الأنبياء وأساليبهم في الدعوة واحدة ، وطريقة مجابهة قومهم لهم واستقبالهم متشابهة ، وأنّ العوامل والأسباب والظواهر التي تواجهها الدعوة واحدة . وقد أكّد القرآن في عدّة مواضع على هذه الحقيقة ، وأشار إلى اشتراك الأنبياء في قضايا كثيرة . من ذلك قوله تعالى : « وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . « 3 » وقوله تعالى : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ » . « 4 » وكذلك قوله : « وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَما تأتيهم مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » . « 5 » ويتحدّث القرآن أحيانا عن الرسل حديثا عامّا ، ليؤكّد هذه الوحدة بينهم في الوسائل والأساليب ، كما جاء في سورة إبراهيم : « . . . جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا

--> ( 1 ) - آل عمران 31 : 3 . ( 2 ) - الأحقاف 9 : 46 . ( 3 ) - آل عمران 146 : 3 . ( 4 ) - الأنعام 112 : 6 . ( 5 ) - الزخرف 6 : 43 - 7 .