الشيخ محمد هادي معرفة
428
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قوله تعالى : « وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما » . « 1 » زعموا فيه تهافتا ، وكان الوجه أن يقال : اقتتلا ، أو بينهم . فجمع الضمير ثمّ تثنيته تهافت . « 2 » لكن الجمع إنّما هو باعتبار أن الاقتتال يقع بين آحاد المؤمنين من كلّ طائفة . أمّا التصالح فإنّما هو بين الفريقين لاالآحاد . « 3 » جمعٌ يراد به الاثنان فما فوق قد يعبّر بلفظ الجمع ويُراد به مطلق الجمع ، أي الجمع العرفي الصادق من اجتماع اثنين فما فوق ، نظير ضمير المتكلّم مع الغير ، يُراد به الاثنان فما فوق . وهذا شائعٌ في سائر اللغات التي لا توجد فيها صيَغ للتثنية . والعرب قد تستعمل ذلك حسب العرف العامّ ونظرا للمعنى اللغوي للجمع الصادق مع الاثنين . قال الطبرسي : والعرب تسمّي الاثنين بلفظ الجمع في كثير من كلامهم . حكى سيبويه أنّهم يقولون : وضعا رحالهما ، يريدون رَحْلَيْ راحلتيهما . وقال تعالى : « وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ » . « 4 » يعني : حكم داود وسليمان . « 5 » قال سيبويه - في باب ما لفظ به ممّا هو مثنّى كما لفظ بالجمع - : وهو أن يكون الشيئان كلّ واحدٍ منهما بعض شيءٍ مفرد من صاحبه ، وذلك قولك : ما أَحْسَنَ رُؤُوسَهما ، وما أَحْسَنَ عَواليَهما . وقال عزّوجلّ : « إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما » . « 6 » « وَالسّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما » « 7 » فرّقوا بين المثنّى الذي هو شيء على حِدَةٍ وبين ذا . وقال الخليل : نظيره قولك : فعلنا ، وأنتما اثنان فتكلّم به كما تكلّم به وأنتم ثلاثة . وقد قالت العرب في الشيئين اللّذين كلّ واحدٍ منهما اسمٌ على حِدَةٍ وليس واحدٌ
--> ( 1 ) - الحجرات 9 : 49 . ( 2 ) - هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 419 . ( 3 ) - الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 384 . ( 4 ) - الأنبياء 78 : 21 . ( 5 ) - مجمع البيان ، ج 3 ، ص 15 . ( 6 ) - التحريم 4 : 66 . ( 7 ) - المائدة 38 : 5 .