الشيخ محمد هادي معرفة
411
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
والتفنّن فيه لتزيده رونقا فوق روعته ، وأتينا بأمثلة لذلك . وهنا - في الآية الّتي تمثّل بها المتكلّف من سورة يونس - نقول : إنّه يزيد مبالغةً في الاستنكار : قال تعالى : « وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا . . . » . « 1 » يعني : أنّ أولئك الكَفَرَةَ الجُحُود إذا كشف اللّه عنهم ضرّهم ، فبدلًا من أن يشكروا تراهم يكفرون نعمة اللّه ويحاولون تغطيتها بأنواع الملتبسات . . . فيمثّل لذلك ركوبهم البحر ومواجهة الطوفان : « هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ . . . » . « 2 » فبدأ يواجههم في الخطاب ، لكنّه في الأثناء يغيّر وجهة الكلام إلى التكلّم عن غائبين ، ليحوّل وجهة السامعين من كونهم مخاطبين إلى كونهم ناظرين مستمعين . وذلك للتمكّن في نفوسهم من استقباح مايشهدونه من فضيع الحال وشنيع المآل ، فيلمسوا قباحة العمل وهم يرونه من كَثَب ، فيكونوا هم الحاكمين على فعالهم بالتقبيح . قال الزمخشري : مافائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغَيبة ؟ قال : المبالغة ، كأنّه يذكر لغيرهم حالهم ليُعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح . « 3 » وذلك لأنّ القبيح من الغير يبدو أقبح ممّا لو ذكر عن النفس . وهكذا التنقّل من شأن إلى شأن كان من خاصّيّة الكلام إذا كان خطابا لاكتابا . يتنقّل فيه المتكلّم من حالٍ إلى حال ، وربّما من موضوعٍ إلى موضوع آخر ، ثمّ يعود إلى موضوعه
--> ( 1 ) - يونس 21 : 10 . ( 2 ) - يونس 22 : 10 - 23 . ( 3 ) - الكشّاف ، ج 2 ، ص 338 .