الشيخ محمد هادي معرفة

360

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

السماوات العُلى . الطرائق : جمع الطريقة بمعنى المذهب والمسلك الفكري والعقائدي وليس بمعنى سبيل الاستطراق على الأقدام . ولم تُستعمل في القرآن إلّا بهذا المعنى : يقول تعالى - حكايةً عن لسان الجنّ - : « وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً » . « 1 » أي مذاهب شتّى . « وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى » . « 2 » أي بمذهبكم القويم الأفضل . « إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً » . « 3 » وذاك يوم الحشر يتخافت المجرمون : كم لبثوا ؟ فيقول بعضهم : عشرا . ويقول أعقلهم وأفضلهم بصيرة : « إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً » . « وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » . « 4 » أي الطريقة المُثلى والمذهب الحقّ . فالمقصود بالطرائق - في الآية الكريمة - هي طرائق التدبير والتقدير ، المتّخذة في السماوات حيث مستقرّ الملائك المدبّرات أمرا والمقسّمات . « 5 » « يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ » . « 6 » « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » . « 7 » أي تقدير أرزاقكم وكلما قُدّر لكم من مجاري الأمور . « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ » . « 8 » « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » . « 9 » فالتدبير في السماء ثمّ التنزيل إلى الأرض « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ » . « 10 » « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ » . « 11 » ومن ثَمَّ تعقّب الآية بقوله تعالى : « وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ » . قال العلّامة الطباطبائي : أي لستم بمنقطعين عنّا ولابمعزلٍ عن مراقبتنا وتدبيرنا لشؤونكم ، فهذه الطرائق السبع إنّما جعلت ليستطرقها رسل ربّكم في التقدير

--> ( 1 ) - الجِن 11 : 72 . ( 2 ) - طه 63 : 20 . ( 3 ) - طه 104 : 20 . ( 4 ) - الجنّ 16 : 72 . ( 5 ) - النازعات 5 : 79 . والذاريات 4 : 51 . ( 6 ) - السجدة 5 : 32 . ( 7 ) - الذاريات 22 : 51 . ( 8 ) - يونس 3 : 10 . ( 9 ) - الحِجر 21 : 15 . ( 10 ) - مريم 64 : 19 . ( 11 ) - القدر 4 : 97 .