الشيخ محمد هادي معرفة
341
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الإبصار والسمع يحصلان في مراكزهما من المخّ وتكون العين والاذن وسطا لهذا الحصول كذلك الدماغ وسط للإدراك والتفكير . « 1 » « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » . « 2 » وبذلك يتلخّص الإنسان - في نشاطه الفكري والعلمي - في قلبه ، ويتّحد القلب مع النفس والروح في التعبير عن حقيقة الإنسان ذاته . « قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » « 3 » أي نفسي . قال العلّامة الطباطبائي : لمّا شاهد الإنسانُ أنّ الشعور والحسّ قد يبطل في الحيوان أو يغيب عنه بإغماءٍ أو صرعٍ ونحوهما ولاتبطل الحياة ما دام القلب نابضا ، قطع بأنّ منشأ الحياة هو القلب وسرت منه إلى سائر الأعضاء . وأنّ الآثار الروحية وكذا الأحاسيس المتواجدة في الإنسان - من مثل الشعور والإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف - كلّها للقلب ، بعناية أنّه أوّل متعلّق للروح . وهذا لا ينافي كون كلّ عضوٍ من الأعضاء مبدءا لعملٍ يخصّه ، كالدماغ للفكر والعين للإبصار والاذن للسمع والرئتين للتنفّس ونحو ذلك ، فإنّها جميعا بمنزلة الآلات والوسط إلى ذلك . قال : ويتأيّد ذلك بما وجدته التجارب العلمية في الطيور ، لاتموت بفقد الدماغ ، سوى أنّها تفقد الشعور والإحساس ، وتبقى على هذه الحال حتّى تموت بفقد الموادّ الغذائية وإيقاف نبضات القلب . والبحوث العلمية لم توفّق لحدّ الآن للعثور على مصدر الأحكام الجسدية أعني عرش التدبير في البدن . إذ أنّها في عين التشتّت والتفرّق في بنيتها ونوعية عملها ، هي مجتمعة تحت لواءٍ واحد ومؤتمرة بأوامر أميرٍ واحد ، وحدة حقيقية من غير انفصام . وليس ينبغي زعم التغافل عن شأن الدماغ وما يخصّه من أمر الإدراك . وقد تنبّه الإنسان لما عليه الرأس من الأهميّة في استواء الجسد منذ أقدم الزمان ، وقد جرى على
--> ( 1 ) - راجع : الميزان في تفسير القرآن ، ج 2 ، ص 236 . ( 2 ) - ق 37 : 50 . ( 3 ) - البقرة 260 : 2 .