الشيخ محمد هادي معرفة
310
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأنتم تزعمون أنّ هذا كلّه ك - لام ربّ العالمين ، فأيّ ش - يبعد هذا الأخت - لاف ت - ريدون ؟ ! « 1 » وهذا الإشكال بعينه أورده المستشرق الألماني « إجنتس جولد تسيهر » . قال : « فلا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافا عَقَديا على أنّه نصٌّ منزلٌ أو موحى به يقدم نصّه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد في نصّ القرآن » . « 2 » القرآن شيءٌ والقراءات شيءٌ آخر هناك فرقٌ فارق بين القرآن والقراءات ، حيث القرآن هو النصّ الموحى به من عند ربّ العالمين نزل به الروح الأمين على قلب سيّد المرسلين ، وهو الذي تعاهده المسلمون جيلًا بعد جيل ، تلقّوه من الرسول تلقّيا مباشرا ، وتداولوه يدا بيد حتى حدّ التواتر المستفيض . لا اختلاف فيه ولا اضطراب منذ يومه الأوّل فإلى مدى العصور وتعاقب الدهور . وهم على قراءةٍ واحدة كان يقرأها النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وتداوله الأصحاب والتابعون لهم بإحسان وعلى أثرهم سائر الناس أجمعون . أمّا القراءات فهي اجتهادات من القرّاء للوصول إلى ذلك النصّ الموحّد ، ولكن طرائقهم هدتهم إلى مختلف السبل فضلًا على تنوّع سلائقهم في سلوك المنهج القويم . فذهبوا ذات اليمين وذات الشمال ، كلٌّ يضرب على وتره . « 3 » قال الإمام أبوعبداللّه الصادق عليه السلام : « القرآن واحد ، نزل من عند واحد . ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة » « 4 » يعني : أنّ الاختلاف حادث على أثر اختلاف نَقَلة النصّ
--> ( 1 ) - راجع : تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ، ص 24 - 25 . ( 2 ) - راجع : مذاهب التفسير الإسلامي لجولد تسيهر تعريب عبد الحليم النجّار ، ص 4 . ( 3 ) - عدلنا عمّا ذكره ابن قتيبة بهذا الشأن ، لذهابه إلى جواز القراءة بكلّ هذه الوجوه ، استنادا إلى حديث الأحرف السبعة ، وقد نبّهنا على أنّ الحديث إنّما يعني اللهجات دون القراءات السبع التي هي اجتهادات من القرّاء والتي توسّمت برسميّتها بعد ثلاثة قرون . راجع : التمهيد ، ج 2 . ( 4 ) - الكافي ، ج 2 ، ص 630 ، رقم 12 .