الشيخ محمد هادي معرفة
299
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
المحيط الشامل . « 1 » والدليل على ذلك أنّ الوارد في سورتي الدخان والقدر هو النزول والتفريق ، وليس أصل التقدير ، فتدبّر جيّدا . فاللّه تبارك وتعالى يعلم تقدير الأمور حسب مجاريها علما في الأزل ، لكنّه تعالى ينزل بهذا التقدير في كلّ ليلة قدر بشأن تفريقه طول ذلك العام ، الأمر الذي لا يبدو عليه أيّ شبهة تناقض . متى وقع التقدير ؟ وهل لايتنافى التقدير مع الاختيار ؟ جاء في سورة الدخان أنّ التقدير إنّما يقع في كلّ ليلة قدر من شهر رمضان في كلّ سنة « فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ » . « 2 » وقد وردت روايات أيضا بأنّ ما يقع في تلك السنّة إنّما يُقَدَّر في ليلة القدر . هذا ، في حين كثرة الآيات والروايات بأنّ التقدير إنّما وقع في الأزل ، وتجري الأُمور حسبما قُدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل . « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها » . « 3 » « وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ » . « 4 » على أنّ هذه الآيات ترمي إلى سلب مسؤولية الإنسان عمّا يفعله ، حيث إنّه كان مقدّرا له من قبلُ . وهذا يتنافى وقوله تعالى : « وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً » . « 5 » أمّا المسألة الأولى فقد سبق البحث عنها في مسألة البداء وأنّ هناك تقديرين ، تقديرٌ ظاهري حسب مجاري الأُمور الطبيعية من عللٍ وأسبابٍ تتفاعل حسب طبيعتها الأولى ،
--> ( 1 ) - راجع : الكافي ، ج 1 ، ص 242 - 253 . ( 2 ) - الدخان 4 : 44 . ( 3 ) - الحديد 22 : 57 . ( 4 ) - فاطر 11 : 35 . ( 5 ) - الإسراء 13 : 17 .