الشيخ محمد هادي معرفة

241

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وجود عالم الغيب وراء عالم الشهود . لكن هل بإمكان العائشين على الأرض التغلّب والسيطرة ( تسخير ) تلك الكائنات المنبثّة وراء ستار الغيب ؟ وقد دلّت الشواهد على أنّهم أعجز من ذلك ، اللّهمّ إلّا بعض الإيحاءات الخبيثة تلقيها الشياطين على شاكلتهم في الأرض « إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ » . « 1 » فهم الذين وقعوا في فخّ الشياطين وحسبوا أنّها مسخّرة لهم ، يا لها من مهزلة تنبؤك عن سفاهةٍ في ذوي العقول الضعيفة . وقد استوفينا الكلام عن ذلك في رسالة كتبناها عن الأرواح . وبعد ، فإذ لم تثبت حقيقة للسحر بمعنى التأثير في قلب الطبيعة وتسخير الكائنات ، نعم سوى تمائم هي نمائم ووساوس ينفثونها لفكّ العُقَد وفَصْم الروابط والأواصر بين المتحابّين ، « وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » . « 2 » ومن ثَمَّ لا تأثير لدسائسهم في نفوسٍ متّكلةٍ على اللّه قويمةٍ بعنايته تعالى « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » . « 3 » فكان ما تعلّموه ضرر عليهم ولا ينفعهم شيئا . الأمر الذي جعلهم عَجَزة ومساكين وعائشين على فضلة الأثرياء أو الضعفاء الأغنياء . قال تعالى بشأنهم : « وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى » . « 4 » وهذا طابعٌ وسَمَهم به القرآنُ الكريم . حيثُ يقولُ - مُوَجِّها خطابَه إلى المشركين في زعمهم أنّ النبي جاء بسحر - : « أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ » . « 5 » دليلًا على أنّ الذي جاء به نبيّ الإسلام لا صلة له بالسحر ، حيث قد توفّق في تبليغ دعوته والتأثير بشريعته تأثيرا في واقع الحياة . الأمر الذي لا يتلاءم وسحر السحَرَة غير المفلحين ولا موفّقين في مسيرتهم المنحرفة بل مكدودين عاجزين أذلّاء ومساكين حُقَراء . هذا هو منطق القرآن ونظرته القاطعة بشأن السحر والسَحَرة ، لاواقع له ولا تأثير خارج إطار الدسائس الخبيثة . وأن لا قدرة لساحرٍ ولا هيمنة على سكّان الأرض السفلى

--> ( 1 ) - الأنعام 121 : 6 . ( 2 ) - البقرة 102 : 2 . ( 3 ) - الحِجر 42 : 15 ؛ الإسراء 65 : 17 . ( 4 ) - طه 69 : 20 . ( 5 ) - يونس 77 : 10 .