الشيخ محمد هادي معرفة

217

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

جمال عند العرب وليس عند غيرهم . لكنّه وهمٌ نشأ من سوء التدبّر وعدم الإحاطة بدقائق اللغة التي خاطب بها القرآن العرب وسائر العالمين جميعا . ولنأت بأمثلة ممّا أوقعهم في هذا الوهم : الحُور العين عِيْن : جمع عيناء وهي المرأة ذات الأعين الوسيعة والمتناسبة مع تقاسيم وجهها الوسيم . كما يقال للبقر الوحش : عِيْن ، لحُسن عينها في سعةٍ متناسبة . حُور : جمع حوراء . زعموا أنّها المرأة ذات الأعين السود في حدقتها ، وهو وصف جمال عند العرب بالذات ممّا قد يخالف الجمال في بنات الروم في عيونهنّ الزُرق ! ويعدّ ذلك عيبا عند العرب ، ومن ثمّ جاء وصف المجرمين بأنّهم يُحشرون يوم القيامة زُرقا . « 1 » فجاء كلا الوصفين - جمالًا وعيبا - على مقاييس العرب محضا . غير أنّ الخطأ هنا جاء من قبل تفسير الحَوَر بالسواد ، في حين أنّه البياض اللّامع لشدّة ابيضاضه . فالحَوَر شدّة بياض العين بما يوجب شدة بريق سواد حدقتها . والحواريّات : النساء البيض . قال الأزهري : لا تسمّى المرأة حوراء حتّى تكون مع حَوَر عينيها بيضاء لون الجسد . قال الكميت : ودامت قُدورُك للساعِيَي - * - ن في المَحْلِ غرغرةً واحوِرارا قال ابن‌منظور : أراد بالغرغرة صوت الغَلَيان ، وبالاحورار بياض الإهالة والشحم . والأعراب تسمّي نساء الأمصار حواريّات لبياضهنّ وتباعدهن عن قشف الأعراب بنظافتهنّ ، قال شاعرهم : فقلت إنّ الحواريّات مُعطِبَةٌ * إذا تفَتّلنَ من تحت الجلابيبِ وقال أبو جِلْدة :

--> ( 1 ) - وذلك في قوله تعالى : « يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ زُرْقاً » ، طه 102 : 20 .