الشيخ محمد هادي معرفة

201

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قتل حرّا بعبدٍ قَتَله عمدا . « 1 » وروى أنّ علي بن‌الحسين عليه السلام ضرب مملوكا ثُمَّ دَخَل إلى منزله فأخرج السوط ، ثُمَّ تجرّد له ، قال : اجلد علي بن‌الحسين فأبى ، فأعطاه خمسين دينارا . « 2 » وبذلك قد أصبح الرقيق كائنا إنسانيّا له كرامة يحميها القانون ، ولا يجوز الاعتداء عليها بالقول ولا بالفعل . فأمّا القول فقد نهى الرسول ، السّادة عن تذكير أرقّائهم بأنّهم أرقّاء وأمرهم أن يخاطبوهم بما يشعرهم بمودّة الأهل ، وينفي عنهم صفة العبوديّة ، وقال لهم في معرض هذا التوجيه : « إنّ اللّه ملّككم إيّاهم ، ولو شاء لملّكهم إيّاكم » . « 3 » فهي إذن مجرّد ملابسات عارضة جعلت هؤلاء رقيقا ، وكان من الممكن أن يكونوا سادة لمن هم اليوم سادة ! وبذلك يغضّ من كبرياء هؤلاء ، ويردّهم إلى الآصرة البشريّة التي تربطهم جميعا ، والمودّة التي ينبغي أن تسود علاقات بعضهم ببعض . وأمّا الاعتداء الجسدي فعقوبته الصريحة هي المعاملة بالمثل ، « من افترى على مملوك عزّر . . » و « من جدع عبده جدعناه . . . » . وهو مبدأ صريح الدلالة على المساواة الإنسانيّة الكاملة بين الرقيق والسّادة ، وصريح في بيان الضمانات التي يحيط بها حياة هذه الطائفة من البشر - التي لا يخرجها وضعها العارض عن صفتها البشريّة الأصيلة - وهي ضمانات كاملة ووافية . تبلغ حدّا عجيبا لم يصل إليه قطّ تشريع آخر من تشريعات الرقيق في التاريخ كلّه ، لاقبل الإسلام ولابعده ، إذ جعل مجرّد ضرب العبد - في غير التأديب - « 4 » مبرّرا قانونيّا لتحرير الرقيق ! ! « 5 »

--> ( 1 ) - تهذيب الأحكام ، ج 10 ، ص 192 ، رقم 757 ؛ والاستبصار ، ج 4 ، ص 273 ، رقم 1035 ؛ ووسائل الشيعة ، ج 29 ، ص 98 ، رقم 9 ، وحمله الشيخ على متعوّد القتل . وفي الخلاف ج 2 ، ص 342 كتاب الجنايات ، مسألة 4 : لا يقتل حرٌّ بعبد ، وذلك إجماع الأصحاب . ( 2 ) - بحارالأنوار ، ج 71 ، ص 143 ، رقم 16 . ( 3 ) - ذكره أبو حامد الغزالي في كتاب « إحياء علوم الدين » ج 2 ، ص 219 في الكلام عن حقوق المملوك . وراجع : المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني ، ج 3 ، ص 444 . ( 4 ) - وللتأديب حدود مرسومة لايتعدّاها ، ولا يتجاوز على أيّ حالٍ ما يؤدّب السيّد أبناءه . قال زرارة بن‌أعين : قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : أصلحك اللّه ، ما ترى في ضرب المملوك ؟ قال : ما أتى فيه على يديه - أي من غير تقصير - فلا شيء عليه . وأمّا ما عصاك فيه فلا بأس . فقلت : كم أضربه ؟ قال : ثلاثة ، أربعة ، خمسة . رواه البرقي في المحاسن ، ج 2 ، ص 465 ، باب 11 ، رقم 2613 / 86 ؛ والبحار ، ج 71 ، ص 141 ، رقم 10 . ( 5 ) - قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : إنّ أبي علي بن‌الحسين عليه السلام ضرب غلاما له قرعة واحدة بسوط وكان بعثه في حاجة فأبطأ عليه ، فبكى الغلام وقال : اللّه يا علي بن‌الحسين ، تبعثني في حاجتك ثُمَّ تضربني ؟ قال : فبكى أبي وقال [ لي ] : يا بُنيّ ، اذهب إلى قبر رسول اللّه صلى الله عليه وآله فصلّ ركعتين ثمّ قل : اللّهم اغفر لعليّ بن‌الحسين خطيئته يوم الدين . ثُمَّ قال للغلام : اذهب ، فأنت حرٌّ لوجه اللّه . قال أبو بصير : فقلت له : جعلتُ فداك ، كان العتق كفّارة الضرب ؟ فسكت ! البحار ، ج 71 ، ص 142 ، رقم 12 . وكان رجل من بني فهد يضرب عبدا له وهو يستعيذ باللّه ولم يقلع عنه حتى إذا أبصر رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله استعاذ به فأقلع عنه . فقال له النبي : يتعوّذ باللّه فلا تعيذه ، ويتعوّذ بمحمد فتعيذه ! ؟ واللّه أحقّ أن يجار عائذه من محمّد ! فقال الرجل : هو حرّ لوجه اللّه . فقال النبي صلى الله عليه وآله : والذي بعثني بالحقّ نبيّا لو لم تعتقه لَسَفَعَتْ وجهك حرُّ النار . بحارالأنوار ، ج 71 ، ص 143 ، رقم 15 ؛ وإحياء علوم الدين ، ج 2 ، ص 220 ) . وقال الزهري : متى قلت لمملوكك : أخزاك اللّه ، فهو حرّ . المصدر : ج 2 ، ص 220 . والآثار من هذا القبيل كثير .