الشيخ محمد هادي معرفة

195

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا » . « 1 » والآيات التالية لها توضّح من هذه الحكمة أكثر توضيحا : « ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً . الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً . ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً » . « 2 » ونلفت النظر هنا نكتتان : الأولى : أنّ الذي كان يخفيه النبيّ في نفسه وأبداه اللّه ، كان علمه صلى الله عليه وآله بمآل الأمر وأنّ هذا الزواج سينتهي إلى الفراق ، تمهيدا لتحقيق حكمة أخرى دبّرها اللّه تعالى في تحكيم شريعته في الأرض . والنكتة الثانية : كانت خشيته صلى الله عليه وآله هي خوف أن تثور ثائرة الجاهلية الأولى ، فلا تتحمّل العرب نقض عاداتها الموروثة واحدةً تلو أخرى ، وكانت ضربة قاضية على عاداتها التي جرت عليها آباؤهم الأوّلون . ومن ثَمَّ طمأنه تعالى ووعده بظهور دينه وهيمنته على كلّ طريقة أو عادة تكاد تعرقل سبيله إلى شريعة اللّه « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » . « 3 » « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . « 4 » « وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ » . « 5 » « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » . « 6 » تحرير الرقيق تدريجيا وهكذا الأمر بشأن مِلك اليمين ، أقرّه الإسلام في ظاهر الحال ، ولكن قرينا مع تمهيدات تزعزع من دعائمه وتجعله على شرف الانهيار .

--> ( 1 ) - الأحزاب 37 : 33 . ( 2 ) - الأحزاب 38 : 33 - 40 . ( 3 ) - التوبة 33 : 9 ؛ الصفّ 9 : 61 ؛ الفتح 28 : 48 ؛ والسور الثلاث مدنيّات ، وفي الأخيرة : « وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً » . ( 4 ) - الحجر 9 : 15 . ( 5 ) - النحل 127 : 16 ؛ وفي سورة النمل 70 : 27 : « وَلا تَكُنْ . . . » . ( 6 ) - المائدة 67 : 5 .