الشيخ محمد هادي معرفة

196

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

جاء الإسلام ، والرّقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم ، بل كان عملةً اقتصاديّة واجتماعيّة متداولة ، لايستنكرها أحد ، ولا يفكّر في إمكان تغييرها أحد . لذلك كان تغيير هذا النظام أو محوه أمرا يحتاج إلى تدرّج شديد وزمن طويل . وقد احتاج إبطال الخمر إلى بضع سنوات . والخمر عادة شخصيّة قبل كلّ شيء ، وإن كانت ذات مظاهر اجتماعيّة ، وكان بعض العرب أنفسهم في الجاهليّة يتعفّفون عنها ، ويرون فيها شرّا لا يليق بذوي النفوس العالية . والرّقّ كان أعمق في كيان المجتمع ونفوس الأفراد ، لاشتماله على عوامل شخصيّة واجتماعية واقتصاديّة . ولم يكن أحد يستنكره كما أسلفنا . لذلك كان إبطاله في حاجة إلى زمن أطول ممّا تتَّسع له حياة الرسول ، وهي الفترة التي كان ينزل فيها الوحي بالتنظيم والتشريع . فلو كان اللّه يعلم أنّ إبطال الخمر يكفي فيه إصدار تشريع ينفذ لساعته ، لما حرّمها في بضع سنوات . ولو كان يعلم أنّ إبطال الرّقّ يكفي له مجرّد إصدار « مرسوم » بإلغائه ، لما كان هناك سبب لتأخّر هذا المرسوم ! كان الرقيق في عرف الرومان - وهم الأصل في استرقاق الأناسي - يُعدّ « شيئا » لا « بشرا » ( شخصا إنسانيّا ) ! شيئا لا حقوق له البتّة - كالبهائم والأمتعة - وإن كان عليه كلُّ ثقيلٍ من الواجبات . ولنعلم أوّلًا : من أين كان يأتي هذا الرقيق ؟ كان يأتي من طريق الغزو والنهب والأسر ، ولم يكن الغزو لفكرة ولا لمبدأ ، وإنّما كان سببه الوحيد شهوة الاستيلاء والاستثمار واستعباد الآخرين وتسخيرهم لمصلحة المترفين . فلكي يعيش الروماني عيشة البذخ والترف ، يَسْتمتع بالحمّامات الباردة والساخنة ، والثياب الفاخرة ، وأطائب الطعام من كلّ لون ، ويغرق في المتاع الفاجر من خمر ونساء ورقص وحفلات ومهرجانات ، كان لابدّ لكلّ هذا من استعباد الشعوب الأخرى وامتصاص دمائها في سبيل هذه الشهوة الفاجرة كان الاستعمار الروماني ، وكان الرّقّ الذي نشأ من ذلك الاستعمار . أمّا الرقيق فقد كانوا - كما ذكرنا - أشياء ليس لها كيان البشر ولا حقوق البشر . كانوا يعملون في الحقول وهم مصفَّدون في الأغلال الثقيلة التي تكفي لمنعهم من الفرار ، ولم