الشيخ محمد هادي معرفة
62
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
إلى الحصان الجليل الحالي الذي يجري على ما نسمّيه حافراً تطوّر من إصبع قدتطلب ملايين السنين . فإذا اتّخذنا من ذلك مَعلماً للطريق فلنقدّر إذاً الزمن الذي تطلّبه الإنسان حتى تطوّرت يداه وعيناه وذهنه ، وبذا صار حيواناً طفيفاً ورفعه ذلك إلى كيانه الحالي . والآن نعود فنقتبس التقلّبات التي مرّ بها هذا المخلوق الصغير الأعزل من وسائل الدفاع ، وإن يكن حقّاً سريع الحركة فإنّه معرّض للخطر من كلّ مخلوق يأكل اللحم ، ومن كلّ زاحف سامّ ، ومن كلّ جسم يحدث المرض . وكان عليه أن يعني بصغاره زمناً طويلًا من عجزهم ، فإنّ أطفال الإنسان تولد عديمة الحول والحيلة ، وهي تأتي تباعاً وبذا قديصبح عدّة أطفال عاجزين ، في حاجة إلى الغذاء والوقاية في وقت واحد . وهذا يضاعف عجيبة بقاء الإنسان في خلال الدهور ! فقد عاش خلال تغيّرات كالعصر الثلجي وفي كلّ طور آخر من أطوار الحياة المحرومة الوقاية . وهذا ينطبق طبعاً على جميع الحيوانات الأخرى . وإنّه لمن معجزات العناية الإلهيّة أن استطاعت هذه المخلوقات أن تثبت أمام تلك الظروف . ومن جهة أُخرى فإنّ أنواعاً لاعدد لها كانت قد ولدت ثمّ انقطعت عن الوجود . وليست عظام « الديناصورات » « 1 » إلّا دليلًا واحداً يثبت به علماء الجيولوجيا ( علم طبقات الأرض ) أنّه وجدت في الماضي حيوانات غريبة قدّر لها الفشل فعفا عليها النسيان . وكان ذلك أيضاً مثال ملايين من الحشرات والأسماك والطيور وأنواع أخرى عديدة من مخلوقات شتّى . ولعلّ « الحَمام المسافر » « 2 » كان في وقتٍ مّا أكثر عدداً من البشر ، ولكن آخر واحدة منه ماتت في عهدنا ، وانقرضت سلالته الفاخرة كما انقرض « البطريق » العظيم و « الدودو » . « 3 » وتجد علماء الآثار في إظهارهم لتطوّر الإنسان ، يتّخذون من سعة المخّ في جمجمته مفتاحاً لتقدّمه . وقدحلّت أجناس ولا تزال تحلّ محلّ أخرى ، ويبدو أنّ الجنس الأبيض
--> ( 1 ) - الديناصورات جمع ديناصور ، وهو الحيوان الهائل الذي وجد مدفوناً تحت أطباق الثلوج وانقرض من الحياة منذ زمن طويل . ( 2 ) - نوع من الحمام كان موطنه أمريكا الشمالية ، وكان ذا رأس صغير ومنقار قصير وذيل طويل وجناحين طويلين مدبّبين . ( 3 ) - الدودو طائر منقرض من فصيلة الحَمام .