الشيخ محمد هادي معرفة

21

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام ، وتلمّحت طائفة ما فيه من قصص وأخبار لُامم خالية ، وتنبّه آخرون لما فيه من حِكمٍ وأمثالٍ ومواعظ . . . وإلى أمثال ذلك من إشارات ولطائف ودلالات . قال : وقد احتوى القرآن على علوم أخرى من علوم الأوائل ، مثل الطبّ والهيأة والهندسة والجبر والمقابلة والنجامة وسائر الحرف والصناعات . قال : أمّا الطبّ فمداره على حفظ نظام الصحّة واستحكام القوّة ، وذلك إنّما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيّات المتضادّة ، وقد جُمع ذلك في آية واحدة ، وهي قوله تعالى : « وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً » . « 1 » وعرّفنا فيه بما يعيد نظام الصحّة بعد اختلاله ، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى : « شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » . « 2 » ثمّ زاد على طبّ الأجسام بطبّ القلوب وشفاء الصدور . وأمّا الهيأة ففي تضاعيف سوَره ، من الآيات التي ذكرت ملكوت السماوات والأرض . وما بثّ في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات . وأمّا الهندسة ففيقوله : « انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ » . « 3 » وأمّا الجبر والمقابلة فقد قيل : إنّ أوائل السوَر فيها ذكر مُدَد وأعوام وأيّام لتواريخ أمم سالفة ، وإنّ فيها تاريخ بقاء هذه الامّة ، وتاريخ مدّة أيّام الدنيا ، وما مضى وما بقي ، مضروب بعضها في بعض . وأمّا النجامة ففيقوله : « أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ » . « 4 » وفيه أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها ، كالخياطة في قوله : « وَطَفِقا يَخْصِفانِ » ، « 5 » والحدادة : « آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ » « 6 » « وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ » ، « 7 » والبناء في آيات ،

--> ( 1 ) - الفرقان 67 : 25 . ( 2 ) - النحل 69 : 16 . ( 3 ) - المرسلات 30 : 77 . ( 4 ) - الأحقاف 4 : 46 . ( 5 ) - الأعراف 22 : 7 . ( 6 ) - الكهف 96 : 18 . ( 7 ) - سبأ 10 : 34 .