الشيخ محمد هادي معرفة
192
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم ، فإذا رأى المؤمنون نجواهم حسبوا أن بلغهم عنأقربائهم وإخوانهم الذين خرجوا إلى السرايا شيء ، قتل أو أسر أو هزيمة ، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم ، فلمّا طال ذلك شكوا إلى رسولاللّه صلى الله عليه وآله فنهاهم عن النجوى دون المؤمنين ، فلم ينتهوا عن ذلك ، فنزلت الآية توبيخا وتنديدا لهم : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ » . « 1 » وذلك أنّ اليهود كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله فيقولون : سام عليك ، والسام الموت ، وهم يوهمون أنّه السلام عليك . وهكذا كانوا يحيّون سائر المسلمين . وكانوا يزعمون أن لو كان نبيّا لم يكد يخفى عليه ذلك ، ومن ثمّ سوف لايعذّبهم اللّه على صنيعهم هذا ، فافتضحهم اللّه بنزول الآية ، وحتم عليهم العذاب وبئس المصير . « 2 » ثمّ قال تعالى - فصلًا لقوله الحقّ - : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » . « 3 » * * * وممّا ورد بشأن المنافقين قوله تعالى : « وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ » . « 4 » والفئة الثانية التي لم يقرّ قرارها في المدينة - بعد مهاجرة المسلمين إليها والإخاء الحاصل بينهم وبين الأنصار من أهل المدينة - هم فئة المنافقين ، وكان يتزعّمها عبدللّهبن
--> ( 1 ) - المجادلة 8 : 58 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 9 ، ص 249 - 251 . ( 3 ) - المجادلة 9 : 58 - 10 . ( 4 ) - التوبة 101 : 9 .