الشيخ محمد هادي معرفة
18
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وما هداني إلى هذا الطريق إلّا عنايته بتربيتي هذه التربية الدينية الصالحة - إن شاء اللّه - والخالصة للّه تعالى ، إعلاءً لكلمته وإحياءً لشريعته المقدّسة . فليكن إنجازي لهذا المشروع القرآني الضخم ( في محتواه وغايته ) والمتواضع ( في عمله ) هديّة إلى روحه الطيّبة « 1 » جزاءً من اللّه عنّي وعن الإسلام خير جزاء الصالحين ، وحشره مع أوليائه الأئمّة الميامين محمّد وآله الطاهرين عليهم صلوات ربّ العالمين . وبعد ، فإذا ما أضفنا إلى هذه الحقيقة المُذهلة ، أنّها عُرضت على يد رجل امّي لا يكتب ولا يقرأ عن كتاب ولا درس عند أستاذ ، من امّةٍ عربية جاهلة ، وفي بيئة بدوية متوغّلة في البداوة ، في صحراء جرداء قاحلة ، بعيدة عن حضارات الأمم وثقافات العالم بمسافات شاسعة ، فنحن إذاً أمام معجزة خارقة للعادة ، لاشكّ فيها ولا ريب ، وإنّما يكابر فيها من استغلق على نفسه مشارع البصيرة ، وعاقب نفسه إذ حجب عنها إشعاع تلك الرحمة التي يشعّها هذا الكتابُ الكريم . « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » . « 2 » « فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » . « 3 » « وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » . « 4 » * * * وليُعلم أنّنا في هذا العرض إنّما نحاول فهم جانب من الآيات الكونية ، ربّما صعب دركها قبلئذٍ ، وأمكن الاهتداء إليها في ضوء حقائق علمية راهنة ، جهد المسطاع . وقد نخطئ الصواب ، ويعود العتب علينا بالذات . إنّنا لانحاول تطبيق آية قرآنية ذات حقيقة ثابتة على نظرية علمية غير ثابتة وهي قابلة للتعديل والتبديل ، إنّما مبلغ جهدنا الكشف عن حقائق وأسرار كونية انطوت عليها لفيفٌ من آيات الذكر الحكيم ، كشفاً في ضوء العلم الثابت يقيناً حسبما وصلت إليه
--> ( 1 ) - توفي رحمه اللّه في 22 صفر 1379 عن عمر جاوز الستّين 63 ودفن في كربلاء بجوار أبيالفضل العباس بنعلي عليهالسلام في الصحن الشريف على يمين الداخل من الباب الخلفي تحت الطاق . ( 2 ) - الإنسان 3 : 76 . ( 3 ) - الحجّ 46 : 22 . ( 4 ) - فصّلت 35 : 41 .