الشيخ محمد هادي معرفة

19

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

البشرية قطعيا ، ممّا لا يحتمل تغييرا أو تعديلًا في سيره ، نظير ما وصل إليه العلم من دورة المياه في الطبيعة ، والجاذبية العامّة ، ودرجات ضغوط الأجسام وما شابه . فإنّ بقاء الآية على إبهامها أولى من محاولة تطبيقها على نظريّة علميّة غير بالغة مبلغ القطعية والكمال ، وربّما كانت تحميلًا على الآية وتمحّلًا باهتاً ، إن لم يكن قولًا على اللّه بغير علم . هل القرآن مشتمل على جميع العلوم ؟ ! قلنا : إنّ الإشارات العلميّة التي جاءت في القرآن الكريم إنّما كانت رشحات فاضت من عرض بيانه الحكيم ، لأنّها صدرت من منبع علم مكين « قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . » . « 1 » ولم تكن مقصودة بالذات ، ولا جاء القرآن لإفادة بيانها إفادة بالذات ، ذلك لأنّ القرآن كتاب هداية وإرشاد إلى معالم الأخلاق الكريمة ، وليس كتاباً علميّاً ولا جاء لكشف أسرار الطبيعة في شيء . غير أنّ هناك أوهاماً حيكت حول قضية الإعجاز العلمي للقرآن ، فيما زعم البعض أنّ في القرآن بيان كلّ شيء ، تجاوزاً عن حدود أحكام الشريعة ، إلى سائر العلوم الطبيعية وغيرها ممّا عرفه البشر أو لم يعرفه بعد ، فإنّها كلّها موجودة في القرآن ، إمّا صريحةً أو بإشاراتٍ رمزيّة يعرفها الراسخون في العلم ، حيث لارطب ولا يابس إلّافي كتابٍ مبين . . مراداً به القرآن الكريم ، حسبما زعم ! وذلك استناداً إلى قوله تعالى : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » « 2 » وقوله : « وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » . « 3 » وإلى حديث عبداللّه بن مسعود : من أراد العلم فعليه بالقرآن ، فإنّ فيه خبر الأوّلين والآخرين . قال البيهقي : يعني أصول العلم . « 4 »

--> ( 1 ) - الفرقان 6 : 25 . ( 2 ) - الأنعام 38 : 6 . ( 3 ) - النحل 89 : 16 . ( 4 ) - الإتقان للسيوطي ، نوع 65 في العلوم المستنبطة من القرآن ، ج 4 ، ص 24 .