الشيخ محمد هادي معرفة

65

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الحلف بالتاء قوله تعالى : « تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً » . « 1 » جملة ألفاظه غريبة ، بعيدة عن الاستعمال العام ، وقع الاختيار عليها لحكمة هي مقتضى الحال والمقام ، فضلًا عن جرس اللفظة في هذا التناسب والوئام . قال جلال‌الدين السيوطي : أتى بأغرب ألفاظ القَسَم ، وهي التاء ، فإنّها أقلّ استعمالًا وأبعد من أفهام العامّة بالنسبة إلى الباء والواو . وبأغرب صيغ الأفعال الناقصة ، فإنّ « تزال » أقرب إلى الأفهام ، وأكثر استعمالًا من « تفتأ » . وبأغرب الألفاظ الدالّ على الإشراف على الهلاك « حَرَضا » . فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاور كلّ لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة ، توخّيا لحسن الجوار ، ورغبة في ائتلاف المعاني مع الألفاظ ، ولتتعادل الألفاظ في الوضع ، وتتناسب في النظم ، فضلًا عن تناسب الغريب في التعبير مع الغريب من حالة نبيّ اللّه يعقوب عليه السلام . « 2 » دقائق ونكات ذكر جلال‌الدين السيوطي عن البارزيّ أنّه قال : - في أوّل كتابه « أنوار التحصيل في أسرار التنزيل » - : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كلّ واحد من جزئي الجملة قد يعبّر عنه بأفصح مايلائم الجزء الآخر . . . ولابدّ من استحضار معاني الجمل ، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ، ثمّ استعمال أنسبها وأفصحها . . . واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال . . . وذلك عتيد حاصل في علم اللّه تعالى . فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه . وإن كان مشتملًا على الفصيح والأفصح ، والمليح والأملح . ولذلك أمثلة : منها : قوله تعالى : « وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ » . « 3 » لو قال مكانه : « وثمر الجنتين قريب » لم يقم

--> ( 1 ) - يوسف 85 : 12 . ( 2 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 389 . ( 3 ) - الرحمان 54 : 55 .