الشيخ محمد هادي معرفة
506
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
جارية مارّة قدّامه لم يسمع مثله قط ، فالتمس منها التعلّم فأبت ، فأعطاها ثلاث دراهم وتعلّم منها . فلمّا ورد بغداد وأدرك حضرة الرشيد وتغنّى بما تعلّم منها أعطاه ألف دينار والتمس منه الإعادة ، فلمّا تغنّى به ثانيا أعطاه أيضا ألف دينار ، ثمّ قال له : تغنّ بما أحسنت ، فتغنّى طول الليل بالتركيبات والأصوات المخترعة له ولغيره ، فلم يعطه شيئا ! فقال له الرشيد : آخر الليل قد اتعبت كثيرا فإن لم يكن عليك شاقّا تغنّ بالصوت الأوّل ، فتغنّى به فأعطاه أيضا ألف دينار . « 1 » وكذا نقل عن صدقة المكنّى بأبي مسكين أنّه تعلّم من جارية سوداء بالمدينة صوتا بأربعة دوانق من فضّة ، فلمّا تغنّى به عند الرشيد ابتهج غاية الابتهاج وأعطاه خمسة آلاف دينار . وأمثال هذه الأخبار أكثر من أن تُحصى . وبالجملة ، شيوع التغنّي بالملهيات من الأصوات بلغ حدّا حتّى صار إطلاق الغناء على هذا الفرد حقيقة عرفية ، وهذا يظهر لمن تتبّع التواريخ والسير . فالمراد من الغناء في الأحاديث التي وردت في ذمّه إنّما هو الغناء العرفي - أعني الأصوات الملهية التي يزينها ضرب آلات اللهو والتصدية والرقص - . والمراد منه في الأحاديث التي وردت في إباحته ومدحه إنّما هو الغناء بالمعنى اللغوي . ونبيّنه حقّ التبيين في أثناء ذكر الأحاديث ، خصوصا حديث ابنسنان بحيث يرتضيه العاقل المنصف ويقبله الجاهل المتعنّت لظهور شأنه وسطوح برهانه إن شاء اللّه العزيز . المقصد الأوّل في ذكر الأحاديث الواردة في باب الغناء وتحقيق ما هو المراد منها : ما رواه علي بنجعفر عن أخيه قال : سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر
--> ( 1 ) - راجع : الأغاني ، ج 6 ، ص 318 ، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت .