الشيخ محمد هادي معرفة

505

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

دون أخرى ، وسواء كانت ممّا يتغنّى به في الأعراس أو في التعزية ، فإنّ جميعها غناءٌ لغوي . وبعض الفقهاء فسّره بالصوت المرجّع مطلقا ، وحاول تصويره بترقيم ألفات هكذا آ . آ . آ . آ . ثمّ تشعّبت منه آراء سخيفة وأقوال رذيلة لا يليق بذوي المروّات التعرّض لذكرها ، والشجرة تنبئ عن الثمرة ، فاضبط وتثبّث عسى أن تنفعك هذه المسألة في المقصود . تبصرة كان الشائع في زمن الجاهلية وبعد ظهور الإسلام تعليم الجواري بالألحان والنغمات الملهية التي تزيّنها التصدية وضرب الدفوف والعيدان والبرابط والجراب ، وكانوا يضعون عليها جزية معيّنة ، وكان شغلهنّ من الصباح إلى الرواح التغنّي بالأصوات واستعمال آلات اللهو لجذب الفسّاق إلى أنفسهن وتحصيل ما قرّر عليهنّ سادتهنّ وإن كانت أكثرهنّ كارهات ، وكان هذا الأمر الشنيع من أعظم مكاسبهم ، وقد حذّرهم اللّه تعالى عنه بعد ظهور الإسلام بقوله عزّ من قائل : « وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً » « 1 » وكان من زينة مجالسهم تغنّي القينات وضربهنّ العيدان . وبلغ هذا الأمر الشنيع في زمن دولة ملوك بني أمية وبني العباس حدّ الإفراط لتوغّلهم في تحصيلها وشدّة حرصهم على استماع أصواتها ، وتابعهم الرعايا في سلوكهم - والناس على دين ملوكهم ، إلّا الّذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقليل ما هم - وبلغت قيمتهنّ ثلاث آلاف دينار وأكثر ، كما تشهد به التواريخ ، وهي صارت ما يتغنّى بالملهيات بعضها إلى حدّ لم يبلغ إلى ذلك الحدّ مهرة الرجال في هذا الفن ، كما روي عن إسماعيل بن‌الجامع وهو من فحول أرباب التغنّي بالملهيات من التراكيب المعروفة في زماننا هذا بالتصانيف ، وكان أستاذا ماهرا في ضروب آلات اللهو جميعا ، وكان له اختراعات وتصنيفات ، كلّ واحدة منها في ضمن خصوص بعض الأشعار دون الآخر أنّه لمّا قدر عليه رزقه ارتحل من مكة قاصدا حضرة الرشيد في بغداد ، فلمّا ورد المدينة استمع من

--> ( 1 ) - النور 33 : 24 .