الشيخ محمد هادي معرفة
502
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
مفترس دفعة ، وبعضها يهيج الشهوات كالنظر إلى المرأة الحسناء ، وبعضها يورث الضحك كرؤية حركات أصحاب السحر والمجون ، وبعضها يورثالانزجار عن زخارف الدنيا والشوق إلى نعيم العقبى كما في رؤية الزاهدين وعبادة الخاضعين ، قس عليها سائر مالم يذكر - كذلك مدركات السمع من النغمات لها أحكام متباينة وآثار متخالفة بعضها يوجب السرور والانبساط ، وبعضها يورث الضحك ، وبعضها يورث البكاء ، وبعضها يهيج الشهوات ويزين السيّئات ، وبعضها يورث الانزجار عن عالم الحسّ ، وبعضها يورث الغشي والإغماء . وآثار هذه أشرّ وأكثر من آثار مدركات البصر لكون مادّتها ألطف من مادّة مدركات البصر وأقرب إلى البرزخ بين العالمين . وبالجملة لها آثار غريبة وتأثيرات عجيبة ، حتى أنّ الحذّاق من أطبّاء اليونان كانوا يعالجون الأمراض المخوفة كالدقّ وأمثاله بالنغمات والألحان ، وللموسيقيين في بيان خواصّها وتأثيراتها مصنّفات . علم الموسيقى وموضوع علم الموسيقى هو الصوت المعروض للمناسبات العددية من حيث إنّه معروض للمناسبات العددية ، أو الأعداد الموجودة في العادة أعني الصوت والمآل واحد ، فيبحث فيه عن كيفية مناسبات اللحون واتّفاقها وكيفيّة تأليفها واختلافها . وبالجملة يبحث فيه عن كيفيّة الاتّفاق والاختلاف . وبيّنوا أنّ تحقّق الأعداد المذكورة ، إنّما يتحقّق بالتراجيع ، فإن كان الصوت على استقامة من غير ترجيع يكون واحدا ، فإذا رجّع بترجيع واحد صار اثنين ، وإذا رجّع بترجيعين صار ثلاثة ، وهكذا كالحركة فإنّها ما دامت على استقامتها تكون واحدة ، وإذا انعطفت أو رجعت فيه تصير متعدّدة . وبيّنوا فيه أنّ النغمات إذا كانت متناسبة تكون حسنة ، وإن كانت مختلفة كانت قبيحة ، وأمّا إذا مالم تكن مشتملة على المناسبة أو المخالفة لم تتّصف بالحسن والقبح ، بل تتّصف بأمر آخر كالحدّة ومقابلها ، ومن أراد زيادة الاطّلاع فليطالع مصنّفاتهم « 1 » ولاينبئك مثل خبير .
--> ( 1 ) - راجع مثلًا : بهجة الروح ، ص 31 - 33 ؛ وجامع الألحان ، ص 12 ، وكلاهما لصفيّ الدين ؛ ومفتاح الطب لأبيالفرج ، ص 56 - 57 ؛ وكامل الصناعة لعلي بنعباس ، ج 1 ، ص 12 فما بعد .