الشيخ محمد هادي معرفة

503

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وإنّما مقصودنا في هذه الرسالة التنبيه على أنّ حسن الصوت إنّما يتحقّق بمناسبات عددية فيه ، وهي موقوفة على تحقّق التراجيع ، وهذا أمر ظاهر على من له أدنى تأمّل في حال الأصوات ، فإنّه يجد أنّ الصوت المستقيم من غير ترجيع لايتّصف بشيء من الحسن والقبح ، وبالجملة مدارهما بالمناسبة والمخالفة العدديّتين . ملحوظة : وإنّما كانت المناسبة المذكورة سببا للحسن والبهاء إذ بها تتحقّق جهة الوحدة بين الأمور الكثيرة المتغايرة المتباينة ، وهذه ممّا يحسّنهاويزيّنها وبها يرجع تعديل فضائل الصفات ، ولها شأن عظيم وتترتّب عليها آثار شريفة وأمّا أنّه لم كانت جهة الوحدة بينها سببا للحسن والبهاء فهو من أسرار يكشفها العلمُ الألمعي ، وليس هذا المقام موضع بيانه . وبالجملة ، جهة الوحدة بين الكثيرين المعبّر عنها بالمناسبة والمواقعة والمؤالفة أو ما يجري مجراها يؤدّي إلى الحسن والجمال وليس سبب الحسن الصوري إلّا التناسب بين الأعضاء وتوافقها ، وحسن الصحبة إلّا الموافقة في جميع الأحوال وهذا سرّ حثّ الشارع على المواظبة على الجمعة والجماعات إذ بها يتحقّق الائتلاف بين أفراد النوع المقتضي لحسن المعاش وحفظ التمدّن على أحسن وجه ، وبهذا يظهر سرّ ما ورد في الخبر من أنّ الغيبة أشدّ من الزنا لأنّ الأولى تؤدّي إلى الفرقة المنهيّة عنها ، والثاني إلى الأُلفة المنهيّة عنها ، والألفة خير من الفرقة وإن كان الزنا باعتبارات اخر أشدّ نكالًا وأعظم وبالًا منها لأدائه إلى افتراقات وشرور كثيرة . ويرشدك إلى حسن المناسبة وبهائها : أنّ حكاية الصور القبيحة والأصوات الكريهة ممّا تميل إليها الطباع وتلتذّ بها وإن كانت تتنفّر عن المحكيّ عنها ، وهذا سرّ جعل اللّه أعضاء الأطراف اثنين اثنين ، كالحاجبين والعينين ، وتوحيد التي وقعت في البين لئلّا يكون أحد الطرفين في كمال المباينة مع الطرف الآخر المؤدّية إلى قبح الخلقة ، ولهذا يبذل البنّاؤون جهدهم في بناء الدار على موافقة أطرافها ويعبّرون عنها في عرفهم بالقرينة ، ولو قصدنا لتبيين هذا المطلب لطال بنا الكلام ، وإنّما غرضنا التنبيه على أنّ حسن الصوت لايتحقّق إلّا بتحقيق جهة الوحدة بين