الشيخ محمد هادي معرفة

458

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يُحَكِّمُوكَ » « 1 » . وعليه فالداخلة على فعل القسم ، محض نفي للإقسام ، إعظاما للمقسم به . وليس لتوكيد النفي في الجواب ، كما في البيتين ، حتى يرد عليه : أنّ الجواب في أكثرها إيجابي لا نفي فيه كي يتأكّد . أمّا الداخلة على حرف القسم فهو لتأكيد النفي في الجواب ، ولابدّ أن يكون الجواب في مثله سلبيّا ، كما رأيت . وامّا قوله : « لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ . . . » « 2 » فالغاية فيها : أن لا يعلموا ، لا أن يعلموا . فهو نظير قوله تعالى : « وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً » « 3 » . ذهب جمهور المفسّرين إلى القول بزيادة « لا » وأنّ الكلام في سياق الإيجاب . وهكذا قرأ عبداللّه بن مسعود بإسقاط « لا » : « لكي يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون » . قال الفرّاء : والعرب تجعل « لا » صلةً في كلّ كلام دخل في آخره جحد أو في أوّله جحد غير مصرّح . فهذا ( في هذه الآية ) ممّا دخل آخره الجحد ، فجعلت « لا » في أوّله صلة . وأمّا الجحد الذي لم يصرّح به فقوله - عزّ وجلّ - : « ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ » . « 4 » وزاد الطبرسي : « وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ » « 5 » . « وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ » « 6 » . ورفض أبو مسلم الأصبهاني وجماعة أن تكون « لا » هذه زائدة . ورجّح الإمام الرازي رأي أبي مسلم ، وفسّر الآية بإرجاع ضمير الجمع في « لا يقدرون » إلى النبيّ وأصحابه . والتقدير : إنّما أمرناكم - أيّها المؤمنون - بالتقوى ، حتى يؤتيكم اللّه كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا . كي لا يعلم أهل الكتاب : أنّهم - أي

--> ( 1 ) - . النساء 65 : 4 . ( 2 ) - . الحديد 29 : 57 . ( 3 ) - . النحل 70 : 16 والحج 5 : 22 . ( 4 ) - . الأعراف 12 : 7 . راجع : معاني القرآن للفرّاء ، ج 3 ، ص 137 . ( 5 ) - . الأنعام 109 : 6 . ( 6 ) - . الأنبياء 95 : 21 . راجع : مجمع البيان ، ج 9 ، ص 244 . هذه الزيادة أخذها من موضع آخر من تفسير الفرّاء ج 1 ، ص 374 .