الشيخ محمد هادي معرفة
434
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فقال له المبرّد : بل المعاني مختلفة ، فقولهم : عبداللّه قائم ، إخبار عن قيامه . وقولهم : إنّ عبداللّه قائم ، جواب عن سؤال السائل . وقولهم : إنّ عبداللّه لقائم ، جواب عن إنكار منكر قيامه . وأضاف السكّاكي قائلًا : إنّكترى المُفلِقين « 1 » السحرة « 2 » في هذا الفنّ ، ينفثون الكلام لا على مقتضى الظاهر كثيرا ، وذلك إذا أحلّوا المحيط علما بفائدة الجملة الخبرية وبلازم فائدتها ، محلّ الخالي الذهن لاعتبارات خطابيّة ، مرجعها تجهيله ، بوجوه مختلفة . . . وإن شئت فعليك بكلام ربّ العزّة : « وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » « 3 » . كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم ، على سبيل التوكيد القَسَمي ، « 4 » وآخره ينفي عنهم ، حيث لم يعملوا بعلمهم . « 5 » * * * ومن ظريف فنون البلاغة - هنا - أنّهم قد يقيمون من لا يكون سائلًا مقام من يسأل ، فيصوغون الكلام معه صياغة السائل الملحّ ، إذا كانوا قد قدّموا إليه ما يلوح مثله للنفس اليقظى ، فيتركها مستشرفة له استشراف الطالب المتحيّر ، يتميّل بين إقدام للتلويح وإحجام ، لعدم التصريح ، فيخرجون الجملة إليه مصدّرةً ب - « إنّ » ويرون سلوك هذا الأسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة وأظرفها ! واستشهد السكّاكي لذلك بما سلكه بشّار « 6 » في رائيّته : بَكِّرا صاحِبَيَ قبل الهجير * إنّ ذاك النجاح في التبكير
--> ( 1 ) - أفلق الشاعر : أتى بالفِلْق أي الأمر العجيب . وأفلق بالأمر : كان حاذقا فيه . ( 2 ) - من قولهم : إنّ من البيان لسحرا . ( 3 ) - البقرة 102 : 2 . ( 4 ) - وذلك حيث قوله « ولقد علموا . . . » فإنّه من تقدير القسم بدليل اللام . وسيأتي الكلام عنه . ( 5 ) - مفتاح العلوم ، 80 - 82 . ( 6 ) - هو أبو معاذ بشّار بن بُرد العقيلي - ولاءً - كان شاعرا مُجيدا . بصريّ قدم بغداد وكان يمدح المهديّ بن منصور ، وأمر بقتله سنة 168 لما قد بلغه من هجاه وقد بلغ من العمر فوق التسعين .