الشيخ محمد هادي معرفة
435
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
حين استهواه التشبّه بأئمّة صناعة البلاغة ، المهتدين بفطرتهم إلى تطبيق مفاصلها ، وهم الأعراب الخُلّص . روى الأصمعي « 1 » أنّ خَلَف الأحمر « 2 » قبّل بين عيني بشّار ، بمحضر أبي عمرو بن العلاء « 3 » ، حين استنشداه قصيدته هذه . إذ قال له خَلَف بعد ما أنشد القصيدة : لو قلت - يا أبا معاذ - مكان « إنّ ذاك النجاح » : « بكّرا فالنجاح في التبكير » ، كان أحسن ! فقال بشّار : إنّما قُلتُها أعرابيّة وحشيّة « 4 » ، فقلت : « إنّ ذاك النجاح في التبكير » كما يقول الأعراب البدويّون ! ولو قلت : « بكّرا فالنجاح في التبكير » كان هذا من كلام المولّدين . ولا يشبه ذلك الكلام - أي كلام العرب الرفيع - ولا يدخل في معنى القصيدة الّتي قلتها . فقام خَلَف وقبّل بين عينيه ، إعجابا بفطنته ودقيق بلاغته وعرفانه بأساليب لغة العرب الفصحى الأصيلة ، دون المسترسلة الهجينة . قال السكّاكي : وهذا من أدقّ التعابير وأرقّها في التصوير لدى ذهنيّة المخاطب المتأرجحة حسبما يرسمها شاعر مُفلق مُجيد . ونظيره : فغنّها وهي لك الفِداء * إنّ غناء الإبل الحُداء قال : وفي التنزيل منه الشيء الوفير : قال تعالى : « وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ » « 5 » . وكذا : « وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ » « 6 » . « وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ، إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ » « 7 » .
--> ( 1 ) - هو عبد الملك بن قُرَيب - مصغّرا - النحوي البصري صاحب النوادر والملح . توفي سنة 216 . ( 2 ) - هو أبو محرز الشاعر صاحب البراعة في الآداب . كان راوية ثقة علّامة ، يسلك الأصمعي طريقه ويحذو حذوه . قيل : إنّه معلّم الأصمعي . حمل عنه ديوانه أبو نؤاس . وتوفّي حدود 180 . كان هو والأصمعي فتّقا المعاني وأوضحا المذاهب وبيّنا المعالم . قال الأخفش : لم ندرك أحدا أعلم بالشعر من خلف الأحمر الأصمعي . الوافي بالوفيات للصفدي ، ج 13 ، ص 219 ، رقم 4085 . ( 3 ) - اسمه : زبّان ، أبو عمرو بن العلاء المازني أحد القراء السبعة المفضّلين ، توفّي سنة 154 . ( 4 ) - يعني : على أساليب العرب الأوائل قبل تحضّرها . ( 5 ) - هود 37 : 11 . ( 6 ) - يوسف 53 : 12 . ( 7 ) - التوبة 103 : 9 .