الشيخ محمد هادي معرفة
360
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الالتفات في الكلام ، فإنّ اللّغة العربية - على وفرة تفانينها وسعة مفاهيمها - تحتمل هذا التجوال ما لا تحتمله غيرها من سائر اللغات . « 1 » قال السكاكي : والعرب يستكثرون من الالتفات ، ويرون الكلام إن انتقل من أسلوب إلى أسلوب كان أدخل في القبول عند السامع ، وأحسن تطرية لنشاطه ، وأملأ باستدرار إصغائه . قال : وأجدر بهم في هذا الصنيع ، أَفتراهم يحسنون قرى الأضياف بتلوين الطعام ، وهم أبدان وأشباح ، ولا يحسنون قرى النفوس والأرواح بتنويع الكلام ؟ ! والكلام كلّما ازداد طراوةً كان أشهى غذاءً للروح وأطيب قرىً للقلوب . قال : وهذا الوجه - وهو تطرية نشاط السامع - هو فائدته العامّة . وقد يختصّ مواقعه بلطائف معانٍ ، قلّما تتّضح إلّا لأفراد بلغائهم أو للحُذّاق المَهرة في هذا الفنّ والعلماء النحارير . ومتى اختصّ موقعه بشيء من اللطائف والظرائف كساهُ فضلَ بهاء ورونق ورواء ، وأورث السامع زيادة هزّة ونشاط ، ووجد عنده من القبول أرفع منزلة ومحل ، إن كان ممّن يسمع ويعقل ، وقليل ما هم ، أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ ! قال : ولأمر مّا وقع التباين الخارج عن الحدّ بين مفسّرٍ لكلام ربّ العزّة ومفسّر ، وبين غوّاصٍ في بحر فوائده وغوّاصٍ . وكلّ التفات وارد في القرآن الكريم ، متى صِرت من سامعيه ، عرّفك ماموقعه . وإذا أحببتأنتصير من سامعيه فأَصخ ثمَّ ليُتلى عليك : قوله تعالى : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . أليس إذا أخذت في تعديد نِعم المولى - جلّت آلاؤه - مستحضرا لتفاصيلها أحسست من نفسك بحالة كأنّها تطالبك بالإقبال على منعمك ، وتزين لك ذلك ، ولا تزال تتزايد ما دمت في تعديد نعمه ، حتى تحملك من حيث لا تدري على أن تجدك وأنت معه في الكلام تثني عليه وتدعو له وتقول : بأيّ لسان أشكر صنائعك الروائع ، وبأيَّة عبارة أحصر عوارفك الذوارف ، « 2 » وما جرى هذا المجرى . . .
--> ( 1 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 170 - 171 . ( 2 ) - العوارف : جمع العارفة بمعني المعروف . والذوارف : جمع الذارفة ، من الذرف بمعنى الانصباب .