الشيخ محمد هادي معرفة

31

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ومن لم يتحقّق المعاني يظنّ أنّ ذلك كلّه يفيد المبالغة فقط ، وليس الأمر كذلك ، بل هي مع إفادتها المبالغة تفيد المعاني التي ذكرناها . وكذلك قولنا : فعلت ، يفيد خلاف ما يفيد أفعلت ، في جميع الكلام إلّا ما كان من ذلك في لغتين . فقولك : سقيت الرجل ، يفيد أنّك أعطيته مايشربه أو صببت ذلك في حلقه . وأسقيته يفيد أنّك جعلت له سقيا أو حظّا من الماء . وقولك : شرقت الشمس ، يفيد خلاف غربت ، وأشرقت يفيد أنّها صارت ذات إشراق . ورعدت السماء أتت برعد ، وأرعدت صارت ذات رعد . فأمّا قول بعض أهل اللغة : إنّ « الشَعَر » بفتح العين و « الشَعر » بسكونها و « النَهَر والنَهْر » كذلك بمعنى واحد ، فإنّ ذلك لغتان . وإذا كان اختلاف الحركات يوجب اختلاف المعاني فاختلاف المعاني نفسها أولى أن يكون كذلك . ولهذا المعنى أيضا قال المحقّقون من أهل العربية : إنّ حروف الجرّ لاتتعاقب حتى قال ابن درستويه : في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة وإفساد الحكمة فيها وخلاف ما يوجبه العقل والقياس . قال أبو هلال : وذلك أنّها إذا تعاقبت خرجت عن حقائقها ووقع كلّ واحد منهما بمعنى الآخر ، فأوجب ذلك أن يكون لفظان مختلفان لهما معنى واحد ، فأبى المحقّقون أن يقولوا بذلك ، وقال به من لايتحقّق المعاني . ولعلّ قائلًا يقول : إنّ امتناعك من أن يكون للفظين مختلفين معنى واحد ردّ على جميع أهل اللغة ، لأنّهم إذا أرادوا أن يفسّروا اللبّ قالوا : هو العقل ، أو الجرح قالوا : هو الكسب ، أو السكب قالوا : هو الصبّ ، وهذا يدلّ على أنّ اللبّ والعقل عندهم سواء ، وكذلك الجرح والكسب ، والسكب والصبّ ، وما أشبه ذلك . قلنا : ونحن أيضا كذلك نقول ، إلّا أنّا نذهب إلى أنّ قولنا : اللبّ - وإن كان هو العقل - فإنّه يفيد خلاف ما يفيد قولنا : العقل . ومثل ذلك القول : وإن كان هو الكلام والكلام هو