الشيخ محمد هادي معرفة

32

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

القول ، فإنّ كلّ واحد منهما يفيد بخلاف ما يفيده الآخر . وكذلك جميع ما في هذا الباب . ولهذا المعنى قال المبرّد : الفرق بين أبصرتُه وبصرتُ به ، على اجتماعهما في الفائدة ، أنّ بصرت به معناه أنّك صرتَ بصيرا بموضعه وفعلت ، أي انتقلت إلى هذا الحال . وأمّا أبصرتُه فقد يجوز أن يكون مرّة ويكون لأكثر من ذلك . وكذلك أدخلته ودخلتُ به ، فإذا قلت أدخلتُه جاز أن تدخله وأنت معه وجاز أن لا تكون معه . ودخلتُ به إخبار بالدخول لك وهو معك بسببك . قال أبو هلال : وحاجتنا إلى الاختصار تلزمنا الاقتصار في تأييد هذا المذهب على ما ذكرناه وفيه كفاية . « 1 » * * * وبعد ، فهناك لأبي سليمان البستي تحقيق لطيف عن خواصّ المزايا اللغوية ، وضرورة العلم بفوارقها ، وأنّه الأساس لبناء بلاغة الكلام . قال : اعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام ، موضعه الأخصّ الأشكل به ، الذي إذا ابدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام ، وإمّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة . ذلك أنّ في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنّها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب ، كالعلم والمعرفة ، والحمد والشكر ، والبخل والشحّ ، وكالنعت والصفة ، وكقولك : اقعد واجلس ، بلى ونعم ، وذلك وذاك ، ومن وعن ونحوهما من الأسماء والأفعال والحروف والصفات ممّا سنذكر تفصيله فيما بعد . والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك ، لأنّ لكلّ لفظة منها خاصّية تتميّز بها عن صاحبتها في بعض معانيها وإن كانا قد يشتركان في بعضها . تقول : عرفتُ الشيء وعلمتُه ، إذا أردت الإثبات الذي يرتفع معه الجهل ، إلّا أنّ قولك « عرفتُ »

--> ( 1 ) - الفروق اللغوية ، ص 11 - 14 .