الشيخ محمد هادي معرفة
268
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ومثاله من القرآن قوله تعالى : « إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ » « 1 » فقد شبّه فوَران الماء وخروجه عن حدّ الاعتدال ، بحالة التكبّر والاستعلاء الذي يجعل الإنسان عاتيا وخارجا عن القوانين والحدود والأعراف . فالطغيان - وهو التكبّر والاستعلاء من غير حقّ - أمرٌ معنوي ، وقد شبّه به فوَران الماء وهو أمرٌ محسوس . وهكذا قوله تعالى : « وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ » . « 2 » والعتوّ - وهو التكبّر - من الأمور المعقولة ، استعير هنا للريح ، وهي محسوسة . والجامع بينهما - في كلتا الآيتين - هو الإضرار الخارج عن حدّ العادة . « 3 » تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة ؟ ميزة قرآنية أخرى جاءت في تعابيره المفيضة بالحياة . وتلك طريقته الفنّية في تصويره لمباهج هذا الكون ، لاتمسّ ريشة تعبيره جامدا إلّا نبض بالحياة ، ولا يصيب قلم تحبيره هامدا إلّا انتفض بالتحرّك والهياج ، كأنّما العالم كلّه في لوحة تصاويره ، أحياء غير أموات ، والمظاهر كلّها حركات لاهدوء ولاخمول . هكذا يفعل القرآن في منطقه الساحر ، ويصوّر من عالم الوجود في بيانه الباهر . كلّ شيء حيّ ، وكلّ شيء دائب في الحركة مُستَوٍ في طريقه نحو الكمال . تلك قدرته الفنّية في بيانه وفي إبداعه في فنون التصوير ، يخلع عليها الحركة والحياة . ولم يعهد للعرب نظيره ، وقد حاز قصب السبق في مضماره . * هذا هو الفجر ينبثق في مطلعه ، لكنّه في القرآن : « وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ » . « 4 » هذا هو الجديد في تعبير القرآن : الصبح حيّ يتنفّس ، أنفاسه الإشعاع والنور والضياء ، وإفاضته الحركة والحياة ، حركة تدبّ معها كلّ حيّ عند الصباح . قال سيد قطب : وتكاد اللغة العربية بكلّ مأثوراتها التعبيرية لاتحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح وتكاد رؤية الفجر تشعر القلب المتفتّح أنّه بالفعل يتنفّس ، « 5 » لأنّ الصبح إذا أقبل أقبل بإقباله روح ونسيم ، كالمحتصر
--> ( 1 ) - الحاقة 11 : 69 . ( 2 ) - الحاقة 6 : 69 . ( 3 ) - الطراز ، ج 3 ، ص 339 . ( 4 ) - التكوير 18 : 81 . ( 5 ) - في ظلال القرآن ، ج 8 ، ص 482 .